الصفحة 89 من 454

وليس في كلامي ما يدل على تفضيل ما في كتب العلل والتاريخ وغيرها على صحيح مسلم. وإنما يدل فقط على وقوع تصحيف في سند حديث ميمونة من نسخة صحيح مسلم المطبوعة، مدعوما بالأدلة والبراهين، ومن أهم هذه الأدلة أنه صح في تلك الكتب عن أصحابها عدم ذكر ابن عباس في ذلك السند.

مناقشة المزي في أدلته

وعلى كل فقد أقر الحافظ المزي من خلال تناوله هذا الموضوع بأن النسخ من صحيح مسلم مختلفة في ذكر ابن عباس، وأن أبا القاسم وأبا بكر بن منجويه كانا قد اعتمدا على النسخة التي ليس فيها ذكر ابن عباس، وكذلك في بعض النسخ من كتاب أبي مسعود - وهو أطراف صحيح مسلم -.

ويمكن أن نضيف إلى هذه النسخ التي يملكها الأئمة نسختي الإمام الدارقطني والحافظ ابن حجر من صحيح مسلم.

أما الدارقطني فقد اعتمد في تتبعه على نسخته التي خلت من ابن عباس، ويدل على ذلك قوله: '' وخالفه ابن جريج وليث روياه عن نافع عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد عن ميمونة''. ولو كان ذكر ابن عباس ثابتا في نسخته لذكره في جملة الأحاديث المعللة، باعتبار ذلك خطأ من مسلم أو من بعض رواة الليث، لا سيما أن الدارقطني أطلق القول فيما يخص حديث صحيح مسلم بأن الليث رواه عن نافع عن إبراهيم عن ميمونة.

وأما الحافظ ابن حجر فقد عزى الرواية التي ليس فيها ابن عباس إلى مسلم [1] ، وهذا يعني خلو نسخته من صحيح مسلم عن ابن عباس.

وعلى كل فإن الحافظ المزي قد اجتهد في هذه القضية فذهب إلى ترجيح ذكر ابن عباس في صحيح مسلم، ووَهَّم النسخ التي سقط منها ذكره، سواء كان في رواية الليث أو ابن جريج، سواء كان في صحيح مسلم أو في سنن النسائي، سواء كان ذلك من ابن عساكر أو أبي بكر بن منجويه أو أبي مسعود الدمشقي - بالنسبة إلى بعض النسخ من أطرافه -. وإن كان هذا رأيه الذي جزم بصوابه، لكن الواقع خلاف ذلك. [2]

(1) - الرحمة الغيثية في الترجمة الليثية ص: 133 - 139

(2) - كنت قد راجعت ميكرو فيلم لنسخة أطراف ابن عساكر في مركز البحث العلمي بجامعة أم القرى، وكذلك ميكرو فيلم لأطراف أبي مسعود الدمشقي، (ورقمهما 192 حديث 140/ب) ، ووجدت فيهما ''إبراهيم عن ميمونة'' دون ذكر ابن عباس.

كما راجعت جامع المسانيد - ميكرو فيلم - في جامعة أم القرى تحت رقم 962، 6/ 95/ب، ويقول فيه الحافظ ابن كثير: بعد أن ذكر رواية حجاج:

'' ... حدثنا ليث به - يعني بدون ذكر ابن عباس راويا - وكذا رواه مسلم والنسائي عن قتيبة - زاد مسلم: ''ومحمد بن رمح'' - عن الليث عن نافع عن إبراهيم عن ميمونة''.

ثم قال: ''حدثنا عبد الرزاق أنا ابن جريج سمعت نافعا مولى ابن عمر يقول ثنا إبراهيم بن عبد الله بن معبد أن ابن عباس حدث أن ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: الحديث''.

وقال الحافظ ابن كثير: ''وهكذا رواه النسائي عن إسحاق بن إبراهيم وحمد بن رافع عن عبد الرزاق عن ابن جريج عن نافع عن إبراهيم عن ابن عباس عن ميمونة، قال شيخنا - وهو المزي - وهو الصواب كما سيأتي''.

ثم قال في ص 99/ 1: ''حديث آخر رواه النسائي من حديث إبراهيم ابن عبد الله بن معبد بن عباس عن ابن عباس عن ميمونة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: صلاة في مسجدي الخ وتقدم عن إبراهيم عنها من غير ذكر ابن عباس، والله أعلم''.

رأينا الحافظ ابن كثير قد ترك هذه القضية من دون أن يحققها، بل وجدناه يقتصر على نقل ذلك عن شيخه المزي (رحمهما الله) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت