الصفحة 92 من 454

وقع في صحيح مسلم [1] حديث هشام بن عروة عن أبيه عن أبي مراوح الليثي عن أبي ذر قال: قلت يا رسول الله! أي الأعمال أفضل .. الحديث، وفيه (تعين صانعا) ، وهذا تصحيف، والصواب عن هشام: (تعين ضائعا) .

يقول الإمام ابن الصلاح:

'' قوله في رواية هشام (تعين صانعا) هو بالمهملة والنون في أصل الحافظ أبي عامر العبدري وأبي القاسم بن عساكر، قال: وهذا هو الصحيح في نفس الأمر، ولكنه ليس رواية هشام بن عروة، إنما روايته بالمعجمة، وكذا جاء مقيدا من غير هذا الوجه في كتاب مسلم في رواية هشام.

وقال: وذكر القاضي عياض أنه بالمعجمة في رواية الزهري [2] لرواة كتاب مسلم إلا رواية أبي الفتح السمرقندي، قال الشيخ: وليس الأمر على ما حكاه في رواية أصولنا لكتاب مسلم فكلها مقيدة في رواية الزهري بالمهملة. والله أعلم'' اهـ. يعني (الصانع)

هذا وقد جاء حديث هشام هذا في صحيح البخاري بلفظ (وتعين ضايعا) ، ويقول الحافظ ابن حجر: '' (هو) بالضاد وبعد الألف تحتانية، لجميع الرواة في البخاري كما جزم به عياض وغيره، وكذا في مسلم، إلا في رواية السمرقندي كما قاله عياض، وجزم الدارقطني وغيره بأن هشاما رواه هكذا دون من رواه عن أبيه ... ''

وقال: '' وإذا تقرر هذا فقد خبط من قال من شراح البخاري إنه روى بالصاد المهملة والنون، فإن هذه الرواية لم تقع في شيء من طرقه ... '' [3]

خلاصة الكلام أن رواية هشام بن عروة إنما هي: (وتعين ضايعا) ومن قال في حديثه (وتعين صانعا) فقد صحف، ولا اعتبار باتفاق معظم رواة الكتاب على خلاف الواقع في حديث هشام، إذ ليس اتفاقهم دليلا على صواب ما اتفقوا عليه إذا علم من خلال الأدلة أن الواقع بخلافه. [4]

إذن اتفاق النسخ لا يكون دليلا قاطعا على صحة ذلك الشيء المتفق عليه وثبوته عن صاحب الكتاب إذا كانت القرائن قائمة على خلاف ذلك في الواقع. ومثل هذه الأمور لا تخفى على من يشتغل بالمخطوطات وتحقيقها تحقيقا علميا.

ولا مجال للأستاذ لأن يشاغب بالباطل، ثم يوجه التهم نحو خصمه حتى يلزمه بقبول قوله، وتقديمه على قول الأئمة النقاد. [5]

(1) - كتاب الإيمان، باب بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال 1/ 112 (شرح النووي)

(2) - يعني (وتعين ضايعا)

(3) - فتح الباري 5/ 149

(4) - انظر تفصيل ذلك في كلام الشراح في هذا الصدد.

(5) - انظر إلى الشيخ كيف يعقب على هذه النقطة، يقول:

''فيها مكابرة لم يسبق إلى مثلها، فعامة نسخ مسلم تطابقت على ذكر ابن عباس يتداولها أئمة الحديث جيلا عن جيل في مشارق الأرض ومغاربها من أقصى خراسان إلى أقصى الأندلس والشام ومصر والحجاز واليمن وغيرها من البلدان وتؤيدها أطراف خلف وأكثر نسخ أطراف أبي مسعود ومع كل هذا لا يعتمد عليها في قضية من القضايا في نظر هذا الرجل بل يجزم بعدم وجودها. أظن أن أكبر سوفسطائي لا يصل إلى هذا الحد من المكابرة.

وليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل

ما هو الدليل على أنه لا يعتمد على ما يذكر في عامة نسخ (صحيح مسلم) مهما كثرت ومهما أيدها من المؤيدات، ومهما حفت بها من قرائن تدل على ثبوت ما فيها؟!!

الجواب لدى المليباري:

هو أن البخاري لم يذكر الاختلاف على الليث بين أصحابه في إثبات ابن عباس راويا عن ميمونة، لأنه ذكر الاختلاف على ابن جريج ولم يذكر الاختلاف على الليث.

فمجرد سكوته عن شيء دليل قاطع على بطلان ذكر ذلك في صحيح مسلم، ولو اتفقت عليه مئات النسخ تحرسها عناية الله ثم عناية الأمة بها، ولو أيدته كتب أخرى وحتى لو روى الطحاوي وابن أبي شيبة هذا الحديث وفيه ذكر ابن عباس عن ميمونة، فلا تقبل هذه الشهادة.

بل ولو روت كل كتب السنة والتاريخ شيئا سكت عنه البخاري في كتابه (التاريخ) فلا يصدق ولا يقبل، ولا يجوز لأحد أن يصدق بوجوده. انتهى كلامه

وقال في كتابه منهج مسلم ص: (109) :

انظر إلى هذه المكابرة، دواوين الإسلام المعتبرة أثبتت أن هناك اختلافا بين أصحاب الليث وأنهم طائفتان في رواية حديث ميمونة:

فطائفة تروي عن الليث عن نافع عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد عن ميمونة، وهم

1 -عبد الله بن صالح كما في (تاريخ البخاري)

2 -وحجاج بن محمد كما في (مسند أحمد)

3 -وقتيبة في رواية عنه كما في (سنن النسائي)

وطائفة ثانية تروي الحديث عن الليث عن نافع عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد عن ابن عباس عن ميمونة وهم:

1 -قتيبة وروايته في (صحيح مسلم)

2 -ومحمد بن رمح كما في (صحيح مسلم)

3 -وعبد الله بن وهب كما في (مشكل الآثار)

4 -وشبابة بن سوار كما في (مصنف بن أبي شيبة)

وإذا وصلت المكابرة التي تدعي التحقيق العلمي إلى هذا الحد فقل سلام الله على التراث الإسلامي إن تصدى لدراسته وتحقيقه مثل هذه النوعية الغريبة من العقول البشرية.

وردد معي قول الشاعر:

وليس يصبح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل ''

انتهى كلامه.

أقول: هكذا يحاور الأستاذ مخالفه، وليس في جعبته إلا التهويل والتهويش وإطلاق الدعاوى الفارغة وغمط المحاور وبطر الحق.

ولماذا هذا الصراخ والتهويل والشغب بأن عامة النسخ فيها ذكر ابن عباس، وأنها يتداولها الأئمة في مشارق الأرض ومغاربها من أقصى خراسان إلى أقصى الأندلس والشام ومصر والحجاز واليمن وغيرها؟!!، كأن الأستاذ طاف البلدان كلها وتتبع النسخ في مكتباتها حتى يجزم بأن دواوين الإسلام المعتبرة أثبتت أن هناك اختلافا بين أصحاب الليث!!

والغريب أن الأستاذ يتجاهل ما أثبتناه فيما مضى من أن الإمام الدارقطني والقاضي عياض وأبا مسعود الدمشقي وأبا بكر بن منجويه، وأبا القاسم والحافظ ابن كثير (انظر جامع المسانيد) والحافظ ابن حجر و غيرهم من الأئمة تداولوا نسخا من صحيح مسلم وليس فيها ذكر (ابن عباس) ، كما أن البخاري والنسائي والدارقطني وابن أبي حاتم وابن حبان ومغلطاي والقاضي عياض كلهم يرون أن إبراهيم إنما روى عن ميمونة، وليس عن ابن عباس.

ولم يكتف الإستاذ بهذا التجاهل والتناسي، بل اتهمني بأني أجعل مجرد سكوت البخاري دليلا قاطعا على بطلان ذكر ابن عباس، بينما هو يتناسى أنه يجعل مجرد سكوت البخاري دليلا على جهله عما سكت عنه. وسيأتي إن شاء الله النقاش حول نقطة سكوت البخاري وما يدل عليه من الدلالات والمرامي.

وما فائدة اتفاق النسخ على ذكر شيء إذا كان الواقع بخلافه؟!! وقد رأيت آنفا بعض الأمثلة في ذلك.

أما الإجابة عن شبهات الأستاذ فتظهر من الأدلة والقرائن التي ذكرتها في الصفحات التالية، وليقرأها الأستاذ بهدوء، ثم لينطق بعلم أو يسكت بحلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت