وإليك القرائن والأدلة التي تدل على أن الواقع هو خلاف ما رجحه الحافظ المزي (رحمه الله) :
الدليل الأول: أن الإمام البخاري أورد في التاريخ الكبير [1] حديث الليث بدون ذكر ابن عباس، ولم يبين فيه الاختلاف بين أصحابه، بينما ذكر الاختلاف فيه على ابن جريج بإيراد روايتين متعارضتين عنه.
وهذا يعني أن رواية الليث خالية من ابن عباس عند الإمام البخاري. ولو يعلم أنه قد اختلف على الليث كما اختلف على ابن جريج ما أجاز لنفسه أن يفرق بينهما في شرح ذلك الاختلاف، وهو بصدد بيان العلة في الروايات التي توهم أن إبراهيم إنما روى عن ابن عباس وليس عن ميمونة. وبالتالي لا يعقل أن يأتي البخاري برواية واحدة عن الليث موهما اتفاق أصحابه عليه، أو أن يأتي برواية عبد الله بن صالح دون أن يعرف ملابساتها من حيث الاتفاق والاختلاف والتفرد.
فذِكرُ الإمام البخاري حديث الليث في التاريخ الكبير من طريق واحد يعد دليلا على أن الليث بن سعد لم يختلف عليه رواته حسب علمه، وذلك لأنه (رحمه الله) بصدد تحقيق الأمر في رواية إبراهيم عن ميمونة مباشرة، من خلال عرضه لما يؤيده من الروايات الثابتة، مع تضعيفه الرواية المعارضة. ولو كان هناك خلاف في
(1) - هذا نص البخاري في التاريخ الكبير (1/ 302) :
''إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن العباس بن عبد المطلب أخو عباس الهاشمي عن أبيه وميمونة سمع منه سليمان بن سحيم المدني وسمع منه ابن جريج.
-... وقال لنا عبد الله بن صالح حدثني الليث قال حدثني نافع عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عباس عن ميمونة قالت سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه الا مسجد الكعبة.
-... وقال لنا أبو عاصم عن ابن جريج عن نافع عن إبراهيم بن معبد عن ميمونة عن النبي صلى الله عليه وسلم
-... وقال لنا المكي عن ابن جريج سمع نافعا أن إبراهيم بن عبد الله بن معبد حدثه أن ابن عباس حدثه عن ميمونة عن النبي صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، ولا يصح فيه ابن عباس.
-... وقال لنا مسدد عن بشر بن المفضل عن عبيد الله عن نافع عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله
-... وقال لنا مسدد عن يحيىعن موسى الجهني سمع نافعا سمع عبد الله بن عمر سمع النبي صلى الله عليه وسلم مثله.
والأول أصح''