الصفحة 94 من 454

حديث الليث حول ذكر ابن عباس لذكره. وهذا يعني أن الإمام البخاري لم يقف على الاختلاف بين أصحابه.

وما علمه البخاري حجة على ما توهمه الأستاذ، ولا يُردُّ قولُه بما صحفه بعض النساخ في صحيح مسلم، حتى ولو اشتهر ذلك التصحيف بين الناس، ولا ينبغي أن يدرج فيه ما ليس منه ولو حرفا.

وإن كان هذا صنيع البخاري فيما يخص رواية الليث فإنه قد وافقه غير واحد من الأئمة في ذلك، كالنسائي والدارقطني حين قالا:

''روى الليث عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عباس عن ميمونة''، يعني حديث فضل الصلاة في المسجد النبوي.

مع أنهم ذكروا الاختلاف على ابن جريج في ذلك. وهذا الاتفاق بين الأئمة النقاد على إطلاق رواية الليث بدون ابن عباس يعني أن الليث رواه بدون ابن عباس. وهذا يرجح صحة النسخ من صحيح مسلم التي خلت من ابن عباس، بل يفيدنا ذلك الاتفاق الجزم بأن ذكره في رواية الليث تصحيف من النساخ، سواء كان في نسخة صحيح مسلم أو غيره من الكتب.

ولا ينفع هنا الصراخ والتهويل والشغب بأن أكثر النسخ ذكرت ابن عباس، وأنها متداولة بين العلماء جيلا بعد جيل في مشارق الأرض ومغاربها وأني أجعل مجرد سكوت البخاري دليلا قاطعا على بطلان ما في صحيح مسلم!!.

أما الأستاذ فيتناسى تماما أنه يجعل مجرد سكوت البخاري دليلا قاطعا على جهله بما سكت عنه؛ إذ استدل بذلك على أن البخاري لا يعلم حديث الليث إلا من طريق واحد، وهو ما ذكره في التاريخ الكبير، بمجرد كونه لم يذكر في التاريخ طريقا غيره، فهذا قياس خيالي لا يعتمده إلا الفلاسفة؛ إذ من المعروف في تاريخ المحدثين عموما، وخاصة النقاد، أنهم لا يكتفون بسماع الحديث من راو واحد، لا سيما إذا كان مصدره مشهورا مثل الليث، بل يبحثون عنه في مصادر أخرى، وإذا لم يجدوه بعد البحث إلا من وجه واحد، أو لا يعلمون غيره، حكموا بغرابته، أو يقولون: لا نعلمه إلا من هذا الوجه.

ومن أجل لقاء الشيوخ وتلقي الأحاديث من مصادرها المختلفة برزت عناية المحدثين بالرحلة إلى المدن والقرى. وفي إطار ذلك رحل الإمام البخاري إلى مصر بلد الليث مرتين، ولقي فيها من لقي من الرواة، وسمع منهم أحاديث، ثم إن علاقة خاصة كانت تربطه بقتيبة [1] ، وقد صاحبه البخاري كثيرا في الحضر والسفر، حتى إنه قدم معه الكوفة والبصرة مرات لا تحصى.

وعلى هذا فإنه من المستبعد جدا أن يقال إنه فات الإمام البخاري حديث الليث من رواية قتيبة وابن رمح، بمجرد أن الإمام البخاري لم يذكرها في تاريخه الكبير، وبناء على ما وقع في صحيح مسلم من التصحيف.

(1) - قتيبة هذا أحد رواة هذا الحديث عن الليث عند الإمام مسلم والنسائي الذي أطلق بقوله ''رواه الليث بدون ابن عباس''.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت