ومن المعلوم أن التاريخ الكبير ليس من كتب العلل المطولة حتى يسرد البخاري فيه جميع الروايات المتفقة والمختلفة، ولم يلتزم بذلك. وهذا ابن أبي حاتم في علله لم يكن من عادته إلا ذكر بعض أطراف الاختلاف. وهم يخاطبون من يفهمهم من أهل العلم والبصيرة.
ومن الجدير بالذكر أن هؤلاء الأئمة النقاد يكون من عادتهم أيضا عند بيان العلة أن يشرحوا وجه الاختلاف، بذكر وجه واحد من كل الطرق، وأنهم لا يسردون الروايات إذا كانت متفقة، بل يقتصرون على رواية واحدة منها؛ فإن الغرض من ذلك بيان وجوه الاختلاف بذكر بعضها دون ذكر جميع الروايات.
لذا، ينبغي أن نقول إن البخاري قد سمع حديث الليث من أصحابه، وليس قتيبة وابن رمح فقط. فلما وجد (رحمه الله) رواياتهم عن الليث متفقة على إسقاط ابن عباس، اكتفى برواية عبد الله بن صالح لكونه صاحب كتاب، كعادة البخاري في التاريخ. ولو كان يعلم الاختلاف بين أصحاب الليث لذكر روايتين مختلفتين عنه على أقل الأحوال، كما عمل في حديث ابن جريج، مع أن مناسبة الحديث تقتضي منه ذكر ذلك الاختلاف على الليث لو كان فيه، تحقيقا للمسألة التي طرحها في مستهل الترجمة، وهي: هل روى إبراهيم عن ميمونة، أم عن ابن عباس.
الدليل الثاني: قال النسائي: ''رواه الليث عن نافع عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد عن ميمونة ولم يذكر (ابن عباس) ''. [1]
وبهذا وافق البخاريَّ في رأيه. ولو يعلم الإمام النسائي أن الرواة قد اختلفوا على الليث ما أجاز لنفسه أن يطلق بقوله: ''رواه الليث''. فمعنى ذلك أن جميع الرواة الذين رووه عن الليث متفقون على عدم ذكر ابن عباس راويا عن ميمونة، طبعا حسب علمه.
أما أن يقال إن النسائي لا يعلم إلا ما رواه عن قتيبة، فمنطق العوام الذين يعتمدون على الاحتمالات العقلية المجردة التي كثيرا ما يعول عليها الأستاذ في دراسته [2] .
ومن الجدير بالذكر أن النسائي قد روى في كتاب المساجد، باب فضل الصلاة في المسجد الحرام 2/ 33 عن قتيبة عن الليث، بدون ابن عباس، واتفقت عليه النسخ من السنن، كما يظهر ذلك مما قاله الحافظ المزي (رحمه الله تعالى) .
والحديث الذي أورده مسلم كان عن قتيبة نفسه، وهذا يجعلنا نجزم أن رواية قتيبة عن الليث في صحيح مسلم إنما هي بغير ذكر ابن عباس. والنسائي أولى بالقبول من المزي، والثاني عالة على الأول. [3]
وهنا نلاحظ أن البخاري ذكر رواية عبد الله بن صالح، والنسائي ذكر رواية قتيبة كلاهما عن الليث عن نافع عن إبراهيم عن ميمونة. ولو فرضنا جدلا أن كلا منهما لا يعرف سوى ما ذكره في كتابه، لكننا
(1) - سنن النسائي (الكبرى) 2/ 390
(2) - انظر في النقطة الرابعة، والقسم الثاني من الكتاب.
(3) - لكن الأستاذ يقدم المزي على النقاد. وهذا من المزالق الخطيرة التي يقع فيها كثير من المعاصرين لعدم اهتمامهم بتمييز المرجعية الأصيلة من المرجعية المساعدة في علم الحديث. انظر هذا الموضوع في مقدمة كتاب (علوم الحديث في ضوء تطبيقات المحدثين) للمؤلف.