نستطيع بدورنا أن نضم علم هذا مع علم ذاك لتتجلى دقة كل منهما في الآراء. وبالتالي يتلخص أن عبد الله بن صالح وقتيبة بن سعيد رويا عن الليث دون ذكر ابن عباس، بل أكد النسائي بقوله '' رواه الليث بدون ابن عباس''.
هل يكون من المعقول أن يرد قول الأئمة الواضح والصريح، بما وقع في صحيح مسلم تصحيفا؟! ثم نعطي لما وقع فيه التصحيف مكانة الكتاب ذاته؟!
وما سبق من الحيثيات تكفي لأهل العلم أن يرجحوا نسخ صحيح مسلم التي خلت من ابن عباس ولو كان عددها قليلا، على النسخ التي فيها ابن عباس ولو كان عددها أكثر.
الدليل الثالث: أن الإمام الدارقطني لم يذكر أيضا الاختلاف على الليث - لا في العلل، ولا في التتبع - بينما ذكر ذلك الاختلاف على ابن جريج. مما يدل دلالة قاطعة على أن الروايات التي حفظها هو وجمعها، ودرسها، كلها متفقة على عدم ذكر ابن عباس راويا عنها في حديث الليث. وأن النسخة التي كان يملكها من صحيح مسلم خالية منه أيضا، وإلا لتعرض إلى ذكر ذلك في التتبع؛ لأنه خاص بتتبع أحاديث الصحيحين.
والإمام الدارقطني لا يعتمد إلا على مسموعاته ومحفوظاته من الروايات، وبحفظه وفهمه ومعرفته ينتقد الأحاديث. والذي يعتمد على ''الوجدات''، وما وقع في النسخ، يكون عالة على النقاد. وليس من الإنصاف أن يرد كلامهم بناء على تصحيف وقع في نسخ صحيح مسلم.
الدليل الرابع: أن ابن أبي حاتم وابن حبان، وقبلهما الإمام البخاري، لم يذكروا لإبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عباس رواية عن ابن عباس. ولو ثبت عندهم ''عن ابن عباس'' في رواية الليث وابن جريج لذكروا لإبراهيم رواية عنه. بل ذكر ابن أبي حاتم والإمام البخاري روايته عن ميمونة، بينما ذكر ابن حبان روايته عن أبيه. وإبراهيم هذا قليل الرواية، وفيما يبدو من خلال التتبع أن إبراهيم هذا لم يعرف له إلا روايتان، رواية عن أبيه عن ابن عباس، ورواية عن ميمونة.
أما الحافظ المزي فذكر في ترجمة إبراهيم من تهذيب الكمال روايته عن ابن عباس بناء على ما رجحه في صحيح مسلم، وتبعه في ذلك الحافظ ابن حجر في كتابه التهذيب نظرا لكونه مختصرا لتهذيب الكمال. كما ذكروا أيضا رواية إبراهيم عن ميمونة، وربما يكون ذلك على سبيل الاحتمال، وكلام الأئمة النقاد وصنيعهم في كتبهم ينبغي أن يكون هو الفيصل في مثل هذا النوع من الاختلاف الذي يوجد في نسخ الكتاب، ولا يعكر صفاءه ما نقله بعض المتأخرين بخلافهم.
الدليل الخامس: أورد الحافظ ابن حجر في رسالته اللطيفة '' الرحمة الغيثية بالترجمة الليثية'' (ص 133 - 139) حديث قتيبة عن الليث عن نافع، بدون ذكر ابن عباس، وعزاه إلى مسلم. وهذا دليل واضح على أن ما يحفظه من حديث الليث بإسناده الخاص خال من ابن عباس، كما أن نسخته من صحيح مسلم خالية أيضا، لأنه قال بعد روايته:''رواه مسلم''.
الدليل السادس: قال ابن أبي شيبة: