الصفحة 99 من 454

الدليل التاسع: إن رواية ابن جريج التي استدل بها الإمام المزي على رجحان ذكر ابن عباس في رواية الليث، لا يصح فيها ابن عباس، كما صرح بذلك الإمام البخاري والدارقطني [1] .

ويبدو من كلام الحافظ المزي (رحمه الله) أنه لم يستحضر وجوه الاختلاف على ابن جريج، وإلا ما استند إلى روايته جازما. لهذا قلت: إن تعقب الحافظ ابن حجر عليه في محله.

الدليل العاشر: من الجدير بالذكر أن مثل هذه الأسانيد التي يطول فيها اسم الراوي يقع فيها كثيرا كتابة (عن) قبل (ابن) تصحيفا، أو استبدال كلمة (ابن) بـ (عن) ، وبالعكس أيضا، وإذا نظرت في سياق إسناد الليث، ألا وهو: ''نافع عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عباس عن ميمونة''، ثم قارنت بينه وبين ما وقع فيه ابن عباس راويا، ترجح عندك أنه تصحيف.

ذلك لأن السند الذي فيه ''عن ابن عباس'' ورد هكذا: '' نافع عن إبراهيم بن

عبد الله بن معبد عن ابن عباس''، وكان من المفروض أن يقع كالآتي:

'' نافع عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عباس عن ابن عباس''، لأن إبراهيم غير مشهور بالرواية، وبالتالي يهتم المحدثون بذكر المشهور من آبائه، وهو عباس بن عبد المطلب، ولا فائدة تذكر إذا انتهى ذكر اسمه عند معبد.

أما ابن عباس المشهور - هو عبد الله بن عباس (رضي الله عنهما) - فلا صلة له بهذه الرواية، ولو كان الصواب في السند ذكر عبد الله بن عباس لجاء سياقه '' .. معبد بن عباس عن ابن عباس ''؛ إذ لا يتحقق غرض الراوي في تعريف اسم إبراهيم إذا انتهى اسمه بمعبد، بل لا بد من ذكر عباس حتى يعرف إبراهيم باسمه الكامل؛ فإن إبراهيم من الرواة الذين لم تعرف اسماؤهم الكاملة بين المحدثين إلا عن طريق الأسانيد التي تعد من أهم المصادر الموثوقة في تدوين تراجم الرواة، وتفاصيل اسم الراوي التي يذكرها تلميذه في روايته.

وأما الذي لم يقع فيه ''عن ابن عباس''، فهو مذكور هكذا:

''إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عباس عن ميمونة''،

فأصبح إبراهيم معرَّفا باسمه الكامل، ولذا أقول إنه وقع عند بعض النساخ اشتباه لطول اسمه بذكر أجداده، فكتب''عن'' قبل ''بن عباس'' كالعادة، لاسيما أن ابن عباس مشهور بالرواية بحيث يسبق إليه القلم عند استعجال الناسخ في نسخه. ومثل هذا الاسم الذي يطول بذكر الآباء والأجداد يتعرض عادة لتصحيف النساخ، كما لا يخفى على من يشتغل بالتحقيق.

وإذا قيل إن هذا الترجيح يؤدي إلى تقديم التاريخ الكبير وسنن النسائي وغيرهما من الكتب على صحيح مسلم الذي يعد من أصح الكتب بعد كتاب الله، كما قال ذلك الأستاذ نفسه [2] ، فأقول: ليس الأمر كذلك، إذ لم يثبت في صحيح مسلم ذكر ابن عباس أصلا حتى يقال إننا فضلنا تلك الكتب على صحيح

(1) - التاريخ الكبير 1/ 302 - 303، والعلل 3/ 1/57

(2) - انظر منهج مسلم ص: 113 للشيخ ربيع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت