لم يخرج الموت في الأبيات السابقة عن سماته المعتادة، كالبطش والوحشية، ذلك أن تشبيهه بالوحش الكاسر ذي المخالب والأنياب، هو فرضيةٌ فنية شعرية ساندتْه لمدة زمنية طويلة، حتى أصبحتْ تلك الفرضيةُ قانونًا ونظامًا يستحيل العدول عنه، كما أن البزم قد فرَّغ شحنته النفسية في البيتين السابقين بشكل بلاغي متوارث، فالشاعر في المدرسة الكلاسيكية أخذ على عاتقه"أن يضع في ذهنه النماذج الفنية القديمة، لأن الإبداع -لدى الكلاميين- أقلُّ أهمية من السعي إلى الكمال المعهود سابقًا."
وما الإبداع لدى الكلاسيين سوى اكتشاف الأفكار المناسبة والمطابقة لمقتضى الحال. أما الخيال فيقتصر عمله عندها، على زخرفة الأسلوب بالمحسنّات البديعية والبيانية" [1] . وتتوضح الحكمة التي تنطوي على الموت في البيتين التاليين لبدر الدين الحامد، من قصيدة بعنوان /نعمةُ العيش/ [2] :"
نعمةُ العيش لاتدوم طويلًا ... إن بَعْد النعماء شرًَّا وبيلًا
انظرِ الورد كيف يذبل نضْرًا ... واسألِ الدار كيف تغدو طلولًا
إن الحكمة تُقدِّم فائدة فكرية أخلاقية، فعندما نقول كما أرادت الأبيات (إن الموت نهاية كل كائن حي) فإننا لانستطيع أن نقف من هذا الكلام موقفًا جماليًا لأن القضايا المجردة لاتدخل في نطاق الأحكام الجمالية، ولهذا فإن /المعذب/ لم يتوضَّح في البيتين، ولم تتوضّح علاقة الشاعر بالموت أيضًا، حيث تنطبق المقولة السابقة (إن الموت نهاية كل كائن حي) كما هو ملاحظ من خلالها على الكائنات جميعها لتشكِّل حالة عامة لامفرَّ منها.
ننتقل إلى موضوع آخر من موضوعات المدرسة الإحيائية في سوريا ولبنان يتعلق (بالمعذب) ، فالتشاؤم يشغل حيزًا كبيرًا من حياة المعذب المبنية على الصدامية.
(1) عزام، محمد 1989، الأسلوبية منهجًا، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، ص171.
(2) الحامد، بدر الدين، 1928 الديوان، مطبعة الإصلاح، حماة، ص137.