إن جوهرَ العذاب في الأبيات السابقة ينطلق من (الموت المعنوي) في قول الشاعر (أمرُّ من كلّ حتف بعض ما أجد) ، ذلك أن هذا الموتَ أقسى من الموت الفيزيائي، حيث يتمنى الشاعر أن يموت ميتةً واحدة (الموت الفيزيائي) إلا أن هذا بعيد المنال عنه.
ولعل الحياة اليومية بمشاكلها الاجتماعية وعلاقاتها السائدة، تفرض على الشاعر عذابات متكررة وقاسية، لايبالي بعدها بذاك الموت الذي يشكِّلُ النهاية الحتمية لكل إنسان، فالصبر لم يعد يضاهي حجم العذاب، كما أن عذابات الشاعر تنطوي على الكثير من التشاؤم والحزن.
ولابد من الإشارة إلى أن الموت المعنوي المطروح في الأبيات قد اتسع مفهومه واتخذ أبعادًا كبيرة في الشعر العربي الحداثوي في سورية ولبنان، لهذا فإن للمقطوعة أهمية كبيرة جمالية تنبع من كونها حالة جنينية أساسية لتطور مفهوم الموت في مراحل الشعر اللاحقة وتطور مفهوم (المعذب) جماليًا في القصيدة الحديثة.
بيد أن صورة الموت بقيت مادية عند البزم حيث يقول في قصيدة بعنوان (على قبر فتى) [1] :
فيادهر ماأقسى جنانَك فاتكًا ... وياموتُ ما أقسى بناتك عاديًا
وماابتدعتْ كفَّاك في الناس فتكةً ... فمخلبُك المشؤومُ مازال داميًا
حيث يرتبط العذاب في البيتين بالخوف من (الموت الفيزيائي) من خلال وصْفِ أثره المشؤوم على الناس، إذ أن الشاعر يستخدم غرضًا من أغراض الشعر العربي القديم في تجسيد هذا الخوف من صروف الدهر باعتماده على (الحكمة) .
(1) البزم، محمد، الديوان /ج2/ ص163.