فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 309

وما دمنا في الحديث عن الغربة والموت، فإن المدرسة الإحيائية قد طرحت الموت طرحًا مغايرًا لأشكال الموت وأنواعه في الشعر الحديث، حيث ظَهَرَ الموت في الإحيائية في قصائد الرثاء والحكمة، وفي بعض القصائد حيث ارتبط الموت /بالسراب/ الذي يُفضي إلى /الخديعة/ و /عدم الثقة/ بالآتي:

نقف في البدء عند قصيدة للشاعر بدوي الجبل بعنوان /السراب المظلم/ يقول فيها: [1]

حَنَا السرابُ على قلبي يُخادعهُ ... بالوهم من نشوةِ السقيا ويُغريهِ

فكيف رحتُ؟ ولي علمٌ بباطلهِ ... أهوى السرابَ وأرجوه وأُعليهِ

ويْح السراب على الصحراء تسْلِمُهُ ... رمالُها السمرُ من تيه إلى تيهِ

لقد اقترن العذاب في الأبيات السابقة بالخوف من المستقبل، ذلك أن كلمة سراب، وهي مفتاح الأبيات توحي بذلك المستقبل القاتم، ثم إن السراب في ذاته يفضي إلى معنى /الآتي/ ولكن بالصورة السلبية هنا، وقد انطوى هذا العذاب بالضرورة على التشاؤم والريبة.

إن الأساس الجمالي الذي ارتكزت عليه الأبيات يقوم على توصيفٍ خارجي للسراب، فالسراب من الناحية الواقعية لايختلف كثيرًا في المعنى عما أتت به المقطوعة الشعرية السابقة، من أنه -عادة- موجود في الصحراء وأنه يخدع الناظر إليه فيظنه ماء.

كما أن العذاب القادم من السراب قد انطوى أيضًا على الضياع الذي أبرزه البيت الأخير (من تيه إلى تيه) ، فبدا أن ثمة خللًا ما في الواقع أدّى بالشاعر إلى الضياع وإلى عدم الثقة بالعالم المحيط به.

في قصيدة أخرى لبدوي الجبل تظهر عذابات الشاعر أقوى وأعتى من الموت، ففي قصيدة بعنوان /ثكْل الأمومة/ وهي في الرثاء يقول [2] :

ما للمنيةِ أدعوها وتبتعدُ ... أمرُّ من كلّ حتف بعضُ ما أجدُ

ظمآن أشهدُ وِرْدَ الموت عن كثَبٍ ... والواردون أحبائي ولا أردُ

علّلتُ بالصبر أحزاني فيا لأسى ... بالجمر من نفحات الجمر يبتردُ

(1) بدوي الجبل، 1978، الديوان، ط1، دار العودة، بيروت، ص402.

(2) المصدر السابق، ص297.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت