فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 309

أما الاغتراب الذي طرحه (محمد البزم) فيختلف عن اغتراب (الزركلي) ذي الظروف السياسية، لأن (البزم) طرح الاغتراب الاجتماعي الذي ينبثق عن العلاقات الاجتماعية الفاسدة، ثم يتَّسع ويزداد حدة وقسوة إلى حد فقدان الأمل والموت مع تراكم السنين، حيث يقول في قصيدة له بعنوان /الغريب/: [1]

بات في أرضه غريبًا تبارى ... في أذاه قبل العدى أترابُهْ

كيف لايغتدي غريبًا، وقد حُمَّ ... إلى فجوة الفناءِ اغترابُهْ؟ (مدور)

إن المعذب الذي صوَّره البيتان يستند إلى خلل في طبيعة صلة الأفراد بالشاعر، إذ يتّبعُ الأفراد سلوكًا اجتماعيًا مخالفًا لسلوكه يعود عليه بالأذى والضرر، فكان لابد من إعلان القطيعة مع قبْح ذلك السلوك.

يتفاوت الاغتراب حدة بين البيتين الأول والثاني، فالغريبُ في البيت الأول -كما رأينا- يرتبط بالعلاقات الاجتماعية، في حين أن الاغتراب في البيت الثاني مرتبط بالموت والنهاية. ويشكّل هذا الاغتراب على الصعيد النفسي حالة أكثر رعبًا من الاغتراب الاجتماعي السابق، حيث /الغربة/ الناتجة عن الشعور بالنهاية تنطوي على تأزم نفسي كبير، فكيف إذا اجتمعت هاتان الغربتان معًا، في ذات الشاعر، ويبدو من سياق البيتين أن الغربة الأولى أفضت إلى الثانية.

إن الغربة الاجتماعية بتراكمِ سلبياتها أدَّتْ إلى فقدان الأمل بالواقع وبالمستقبل فانتهى الأمر بالشاعر إلى التفكير بالعدم لفقدانه الثقة بالواقع، وفقدانه التوازن، وهذا ماتشير إليه الحياة الاجتماعية للبزم، الذي"برمَ بالناس وكرهَ المجتمع فقد لقيَ الشقاء منذ شبَّ، واكتنفتْه الهموم منذ دخل الحياة الاجتماعية، ولقى الحَسَدَ والضغينة والخلُق الفاسد" [2] .

(1) البزم، محمد /د،تا/ الديوان، ج2، شرح سليم الزركلي، عدنان مردم بك، المجلس الأعلى لرعاية الفنون والعلوم والآداب، ص105.

(2) الدهان، سامي /د.تا/، الشعراء الأعلام في سوريا، ط2، دار الأنوار، بيروت، ص52.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت