فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 309

إنَّ ظهور هذا /المعذب/ في النص آتٍ من أسباب اجتماعية أخلاقية، تتعلق باستعداد ذلك الشخص المسبق لدخول حالة التأزم النفسي، حيث نحن أمام امرئ تعرض لموقف عصيب لا يزول إلا بزوال المسبب، ولكنه ليس موقفًا ينطوي على الديمومة والاستمرارية مدى الحياة ناجمًا عن وجود خلل نفسي متأصِّل فيه.

لقد طرحت المدرسة الإحيائية إلى جانب الفقر والتشرد جوانبَ أخرى لغربة الإنسان، تتمثَّل بالاغتراب القسري عن المكان نتيجة وجود ظروف سياسية تتعلق بالانتداب والاحتلال، وهو اغتراب عانى منه (خير الدين الزركلي) نفسه حيث يقول في قصيدة له بعنوان (قصيدة نجوى) [1] :

إن الغريبَ معذبٌ أبدًا ... إن حلّ لم ينعمْ وإن ظَعَنَا

لو مثّلوا لي موطني وَثَنا ... لهممْتُ أعبدُ ذلك الوُثَنَا

إن شعور الزركلي بالغربة القسرية عن الوطن آتٍ من أنه فقد في الوطن الجديد مجملَ العلاقات الاجتماعية ذات الرابط الحميمي، وقد أخذ الوطن في البيتين السابقين سمة (أعبدُ ذلك الوثنا) عند الشاعر لأنه ارتبط بكل ما هو خيرٌ ومعِطاء ( الأم، الأرض) ، الأمر التقديس الذي جعله يرى الوضع الجديد قبيحًا إلى حد سبّب له الألم والحزن.

وهكذا فإن /المعذب/ الذي طرحه البيتان يرتبط بمعنى /القلق/ و /الألم/ و /عدم الاستقرار/ في البيئة الاجتماعية الجديدة.

إن كل مايسود في الوطن من علاقات سلبية وإيجابية، هو في نظر الشاعر /جميل/، والبيتُ الثاني يرسِّخ هذه الفكرة بعمق، فيكتسب البيتان قيمة جمالية هامة.

(1) الزركلي، خير الدين، الديوان ص21.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت