فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 309

إن فقدان ذلك الطفل مصدرَ الحنان والمصدر الاقتصادي الذي يؤمِّن له حياته، قد أدَّى به إلى هذه /الصورة/ من العذاب التي حاكى الشاعر أطرافها، ثم إن عذاب هذا الطفل ينطوي على الخوف، خوفٍ من المجهول القادم (كالفرخ ريع لكاسر) نظرًا لانعدام ثقته بكل مايأتي وبكل مايحدث، فكلُّ شيء يتحرك حوله يوحي بالرعب الذي تربَّى وتكوَّن لديه نتيجة انهيار قاس لكل مصادر الحنان، فجعله هذا عاجزًا في نهاية المطاف حتى عن التعبير عن الصورة القاسية التي وصل إليها (فما استطاع مقالا) .

إن هذه الأبيات لاتصوَّر حالة فردية خاصة، بقدر ماتصور ظاهرة ممتلئة بالخوف على المصير الإنساني بسبب انعدام مصادر الاطمئنان والاستقرار بما فيها المصادر الاقتصادية.

وللشاعر /خير الدين الزركلي/ قصيدة في هذا المجال يصف فيها لاجئًا: [1]

دموعُ من، تلك التي تذرف؟ ... وقلبُ من هذا، الذي يوجفُ؟

إنْ كان إنسانًا فهلاّ صغى ... إليه من يرحمَ أو يرأفُ

أمْ ليس في الناس لمستنصِفٍ؟ ... من ناصرٍ يعطف أو يُنصِفُ

ثمة حالة قهرية سلبية استدعت بكاء ذلك الشخص /اللاجئ/، فهو ليس لاجئًا عاديًا، بل هو إنسان اضطر مرغمًا إلى القيام بفعل يوحي بالضياع وبالهرب من وضع غير آمن، وهذا بالضبط مايثير استنكار الشاعر لجملة الظروف التي أسهمت في بلورة هذه الشخصية فيدعو المجتمع ببعض فئاته إلى موقف أكثر إنسانية من المشكلة المطروحة في الأبيات التي يعاني منها امرؤ ما، لأن معاناته وتشرُّدَه لن ينتهيا إلا بموقف اجتماعي (أم ليس في الناس لمستنصف) .

(1) الزركلي، خير الدين، 1980 الأعمال الكاملة ط1، مؤسسة الرسالة، بيروت، ص333.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت