نبدأ بالوقوف عند الشاعر (خليل مردم) الذي"افتتح حياته بالحزن، والفاجعة، ففقد أبويه في مطلع عمره، وراح يسير في الدنيا يتيمًا وحيدًا يعتمد الحذَرَ والصمت والصبر في حياء وخجل وتردد وقلق، فانطبعت شخصيته بذلك وعاش كل عمره قليل الكلام شديد التأمل، هادئًا متزنًا، ووراء ابتسامته حزن قديم عميق، يستشفه الذين عرفوا نشأة الشاعر وتمرَّسَه بالصبر والسكون [1] ."
يقول الشاعر في قصيدة بعنوان (شؤم على شؤم) [2] :
لعمرو أبيك الخير ما ازددتُ خبرةً ... بدهري إلا ازددتُ شؤمًا على شؤمي
يخيّرني أمرين لاخير فيهما ... تظلُّمَ غيري أو قرارًا على الظلْمِ
شقيتُ وكم تشقي الحقيقة أهلها ... فمن لي بأن أقْضي حياتيَ بالوهمِ
لعل اكتشاف جوهرِ العلاقات الاجتماعية، وتعاظُم الوعي لجملة الأحداث التي تجري على أرض الواقع ينبئ بكارثة نفسية، لم يجد الشاعر حيلةً في التصدي لها، بل ازداد شؤمه شؤمًا، وغابت الطمأنينة عن صلة خليل مردم بالواقع، ويبدو أن تصوُّر الشاعر للواقع يخالف مايحدث في الواقع فعلًا، فمَعَ تراكم الزمن وتراكم الخبرات المعرفية يزداد عذاب الشاعر حدّة.
إن البيت الأول يشير إلى تفاوت مستوى الشؤم بين مرحلة وأخرى تبعًا لإدراك الشاعر لجوانب سلبية أخرى في المحيط، إذ أن المضمون الذي طَرَحَهُ (خليل مردم) في المقطوعة السابقة مناسب تمامًا للظروف الاجتماعية التي عاشها والتي أشرنا إليها سابقًا.
(1) الدهان، سامي، الشعراء الأعلام في سورية، ص86-87.
(2) مردم، خليل الديوان، ص255.