ويبدو أن البيت الثاني يشير إلى وضع من أوضاع السلطة القمعية، القائمة على الظلم، غير أن تلك السلطة يمارسها الدهر بتقلباته وأحداثه التي لايستطيع الشاعر أن يلاحقها ويقف مذهولًا أمام وطأتها، فليس له إلا الوهم (أقضي حياتي بالوهم) ، فالوهمُ حالة سلبية بخلاف الحلم، حيث الوهم قائم على الخديعة والزيف، بيد أن الحلم بالإمكان تحقيقه، ثم إنه يعمل على تفريغ شحنات مكبوتة، ويؤدي وظيفة نفسية هامة.
ومن القصائد التي عبّرت عن التشاؤم من صروف الدهر قصيدة للشاعر /محمد البزم/ بعنوان /طرابلس الغرب/ يقول في مطلعها [1] :
دع الدهرَ تنمو بالرزايا مصائبُهْ ... وتمطر أصناف البلايا سحائبُهْ
فما الدهرُ إلا مرُّ يوم وليلةٍ ... تروح بسعدٍ أوبنحسٍ كواكبُهْ
تطاردنا خيلُ الزمانِ بلا ونى ... ويعدو علينا صرْفُه فنواثبُهْ
تقارعنا الأيامُ حتى كأننا ... بقايا خميسٍ أسلمتْه كتائبُهْ
فالدهر هو المفتاح والبؤرة التي يدور حولها النص، وهو مصدر العذاب، والشكوى والأنين، بما يحمله من أحداث قهرية تصيب الشاعر بالكثير من الأذى والضرر، ولايستطيع بعدها أن يفعل شيئًا إزاء صروفه، ولقد اعتمد الشاعر على بنية النص العربي التراثي في نقْل شكواه وعذاباته، حيث بدا واضحًا الاتكاء على الموروث الفني القديم في تبيُّن الحالة.
إن الألم والشقاء من الموضوعات الهامة التي جاءت بها المدرسة الإحيائية في إطار الحديث عن مفهوم المعذب، وتوزَّعَ الألم والشقاء بين الحزن المرير واليأس والقنوط، حيث نتوقف في البدء عند الشاعر خليل مطران وهو يقول [2] :
فإن تَرَني والحزنُ ملء جوانحي ... أداريه فليغررْك بِشري وإيناسي
وكمْ في فؤادي من جراحٍ ثخينةٍ ... يحجَّبها برداي عن أعينِ الناسِ
إلى عينِ شمسٍ قد لَجَأْتُ وحاجتي ... طلاقَة جوٍّ لم يُدنَّس بأرجاسِ
(1) البزم، محمد الديوان، ج1، ص64.
(2) مطران خليل، 1967، الديوان، ج1، ط3، دار الكتاب العربي، بيروت، ص17.