أُسرِّي همومي بانفرادي آمنًا ... مكايدَ واشٍ أو نمائمَ دسَّاسِ
لعلَّ العزلة هي فسحة الأمل الوحيدة بعيدًا عن كل ماهو قبيح في المجتمع الذي هو مصدرٌ من مصادر الحزن والألم، إذ تحكُمُه العلاقات الأخلاقية الفاسدة، ومادامت هناك فسحة أملٍ (أسرِّي همومي بانفرادي آمنًا) فإن (المعذب) في النص مازال في صورته الجنينية، وهكذا كان شأن (المعذب) في (المدرسة الإحيائية) عامة.
يعرض النص في البداية حالةً مزْرِية تنتاب الشاعر، ملْؤها الألم والحزن والجراح، ورويدًا رويدًا يتراجع الألم أمام العزلة كعالمٍ للطمأنينة والاستقرار، حيث العزلة هي أحَدُ جوانب العالم المثالي عند مطران في هذه الآونة، لأنه لايستطيع أن يقوم بنفي (القبْح) عن الواقع بمشاكله الكثيرة وظروفه المضنية.
كذلك فإن (محمد الفراتي) في قصيدة /يامن يشاطرني الأسى/ يمزج بين الأسى والتشاؤم من جهة وفسحة الأمل من جهةٍ أخرى فيقول [1] :
نَهَدَتْ صخورُ الصبرِ نا ... تئةً بقلبي كالهضاب (مدور)
تهوي فترتطم الهمو ... مُ بها فتغرق في الشعاب (مدور)
ولعَ الشقاء بمهجتي ... ولَعَ المضلَّلِ بالشرابِ
آمال نفسي في ديا ... جي الوهم تلمَعُ كالشهاب (مدور)
لولا مغالبَةُ الهوى ... لَقَضَيْتُ من ألمِ العذاب
يا مَنْ يُشَاطِرني الأسى ... دونَ العشيرةِ والصحاب
في الأبيات حالتان مختلفتان تمامًا، تبدأ الحالةُ الأولى من البيت الأول وتنتهي في البيت الثالث، ويحدث انعطاف في البيت الرابع ومايليه باتجاه حالة أخرى مغايرة لسابقتها. أما الحالة الأولى فهي تصوير قاتم للحياة التي يعيشها الشاعر، بيد أن الحالة الثانية تصوير جميل لتلك الحياة فمنْ يقرأ (نَهَدَتْ صخورُ ناتئةً بقلبي) ويقرأ (آمالُ نفسي في دياجي الوهم تلمعُ كالشهاب) يدرك الفارق بين الحالتين، فالعذاب لم يكتمل لظهور الأمل بشكل مفاجئ في النص.
(1) الفراتي، محمد (1959-1958) الديوان، ج1، المطبعة السليمية، دير الزور، ص70.