فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 309

في البيت الثالث نطالع صورة (الشعور المسعور) ، حيث لم يصبح هذا الشعور مسعورًا إلا لأنه تعرّض لاهتزازت من الخارج، فتراجعت إثر ذلك الذات متخبِّطة، لذا ألحق هذا الوضع النفسي الأذى بالجسد وبأعضائه، واستمرَّ الشاعر عبر مفردة (المسعور) في الترميز إلى الصراع الداخلي العنيف، فأظهرت هذه المفردة حجم العبء الملقى على عاتق (الأنا) ، وتجدر الإشارة إلى أن لفظة (الشعور) في الصورة لا تعني (الأنا) مطلقًا، بل إن (الشعور) هنا يرادف كلمة (الإحساس) إلى حد كبير.

كذلك فإن صورة (الشعور المسعور) جزئية بالنسبة للصورة المركبة الثانية (الشعور المسعور يلتهم النذر المبقّى) ، فقد جاء الفعل (يلتهم) ليضيء عمل (الشعور المسعور) من جهةٍ، ويوحي بالعذاب والاضمحلال والفناء من جهة ثانية، وتكتمل هذه الصورة بصورة كلية مع انتهاء البيت عند تركيب (أعظم جرداء) الذي رسّخ فكرة القحط والفراغ والانهدام على الصعيد النفسي.

لقد بدت صورة (الشموخ الكسيح) في البيت الخامس محمَّلة بالكثير من السخرية المرّة، فارتباط (الكسيح) بـ (الشموخ) أودى بالمعنى الحقيقي للشموخ الذي احتفظنا به في ذاكرتنا على أنه يعني الإباء والمجد والسمو، ولكنه في الصورة السابقة أوحى بالضعف والانكماش وانقراض الحركة والصراع، فجوهر هذه الصورة قائم على التناقض، لأن كلَّ حقلٍ دلالي فيها مختلف في المعنى المعجمي عن الحقل الآخر، إلا أنّ اندماج حقليهما الدلاليين لتكوين صورةٍ شعرية رجَّح فكرة الموت كنتيجةٍ خرج بها المتلقي من هذه الصورة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت