فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 309

لقد لاحظنا سابقًا أن العدمية لا بد لها أن تنطوي على الغربة والقلق، غير أن العكس ليس صحيحًا، هذا لأن الشعور النفسي المزمن بالموت يولِّدُ تجليات أخرى للمعذب.

لقد اختزلت تجربة (الصوفي) الحياتية كلَّ أنواع العذاب على مختلف الأصعدة. فقد عانى الاغتراب بأنواعه، وعانى الموت بألوانه، ورفض قيم المجتمع لهذا لم تستطع (آلام) (نديم محمد) الحياتية على الرغم من شدتها -أن توازي كارثة (الصوفي) وصدمته بالحياة.

وقد نجح الشاعر (الصوفي) في تجسيد هذه التجربة عبر استخدامه لتقنيات فنية خففت من تقنيات المدرسة الإحيائية واستطاع أن يفجر مشاهد جديدة من ظلال الخيال وإيحاءاته فـ"مايهم في شعر التجربة هو أن يكون الظرف قادرًا على إيقاظ استجابة طازجة، أي أن يتخطّى الصياغة. وهذا يفسّر سعي الشعر الحديث الدائب بحثًا عن مشاهد جديدة (أو عن منظورات على الأقل) ليستنبط منها معاني جديدة، تميزها من التفضيل الكلاسيكي للمشاهد والمعاني التقليدية" [1]

نعود إلى أبيات (الصوفي) السابقة حيث افتتحها الشاعر بفعل الأمر (ارسمي) ذلك أن المخاطب (أنثى) ، إلا أن هذه الأنثى ليست مساعدًا على الخلاص ضمن الأبيات، فمهمة الفعل (ارسمي) هي أن يكون مفتاحًا للنص، وشروعًا في توصيف الذات، إذ يدور النص في مجمله حول تعرية الحالة النفسية للشاعر.

في البيت الأول تستوقفنا صورة (أشباح مصيري) إن (المصير) سمةٌ مستقبلية، بيد أن الشاعر استخلص رؤيا قاتمة لذلك المستقبل، وحتَّم على ذاته نهايةً غير سليمة، فالخاصية التي ترافق (الأشباح) تختزن الرعب والخوف، ثم إن هذه المفردة (الأشباح) أفادت في نقل صورة الذات وهي في طور التلاشي، لأن (الأشباح) في الأصل أشياء غير مجسَّدة تمامًا.

(1) لانغيوم، روبرت، شعر التجربة، ص 58

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت