فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 309

من المفترض هنا أن نشير إلى أن الصورة الشعرية بحقليها الدلاليين، تقدِّم لنا مرتكزًا على قدر كبير من الأهمية، وهو أن أحد الحقلين فيها يتفوق على الآخر، ومن خلاله نستنتج الإيحاء النفسي النهائي للصورة، فعندما نقول: (أشباح مصيري) فإن (أشباح) كحقل دلالي أقوى من (مصيري) كحقل دلالي آخر، والنتيجة النهائية لإيحاء هذه الصورة على الصعيد النفسي يبرز لنا الموت والفناء. أما إذا قلنا: (شمس مصيري) فالمعنى يتغيَّر تمامًا، لأن (شمس) كحقلٍ دلالي سيطرت نفسيًا على الصورة بشكل مطلق، وسيطرت بالطبع على الحقل الدلالي (مصيري) ، وقد رأينا أيضًا فيما سبق أن صورة (الشعور المسعور) التي جاء بها (نديم محمد) توحي بتآكل الذات لأن الحقل (مسعور) تفوق على الحقل (الشعور) ، ومنه استنتجنا الإيحاء النهائي للصورة، لأنه لو قلنا: (الشعور الجميل) لكان هناك اختلاف في المعنى والإيحاء، إذ إن الحقل الدلالي في الصورة، والذي يشير إلى حالة نفسية سلبية (الموت، الغربة، المسعور، الأشباح، الأنقاض) هو الحقل الراجح في الصورة الشعرية وهو يؤثِّر في الوضع النهائي للإيحاء.

ثمة صورة أخرى من الصور التي توحي بالعذاب في النص هي (أشلاء غروري) ، فالغرور حالة إرادية تقوم بها (الأنا) شعورًا منها بتفوق الذات على الآخرين، وهي بالنتيجة دافع لمواصلة الحياة اليومية، ولكنَّ إلحاق هذا (الغرور) بمفردة من قبيل (أشلاء) ينهي تلك الحالة ويدِّمرها، وينقل لنا الإيحاء بوجود عائق نفسي ذي جذور عميقة، ويبدو أن الصورة -من خلال التناقض الموجود فيها- عملت على إضاءة البيت كاملًا عبر فعل الخصب الذي قامت به، ونعني بالتناقض أن مفردة (الأشلاء) بما تحمله من إيحاء بالتشظي وبالتمزق تختلف عن مفردة (غرور) بما تحمله من شعور بالسيطرة وتفُّوق الذات وثقتها بنفسها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت