فهرس الكتاب

الصفحة 113 من 309

كذلك فإن دراستنا للتعبير الشعري في نصوص العذاب الرومانتيكي ستنحو المنحى النفسي أيضًا، فقدرة الشاعر الرومانتيكي على التعبير (بصيغته الانفعالية) من خلال الصورة يأتي من التركيز على توصيف الحالة بجزئياتها، وأما الفوارق الجوهرية بين (الإيحاء) و (التعبير) ، فتكمن في أن (الإيحاء) سمة فنية تتعلق بالمتلقي، أما (التعبير) فسمة تتعلق بالفنان، وبمعنى أوضح، إن التعبير هو الانعكاس المباشر لانفعالات الفنان في اللوحة الفنية (القصيدة الشعرية، الصورة الشعرية، لوحة تشكيلية، لوحة سوريالية، لوحة تكعيبية، إلخ...) ، وأما الإيحاء فهو حالة تأتي بعد إنجاز اللوحة الفنية، وهذه الحالة خاصة بالمتلقي ووعيه، فهو يقوم بإعادة قراءة اللوحة من خلال بنيته النفسية ومداركه المعرفية ليستخلص منها الاحتمالات التي ينطوي عليها العمل الفني الأصيل عبر دلالاته ورموزه.

النص الأول للشاعرة (هند هارون) بعنوان (الرؤى القدسية) [1] :

ألقيت بالهم الجريح.. وروضتي

الغنّاء.. حوَّلها العذاب... طلولًا..

ألقيتُ بالحزنِ العميقِ... ونجمتي..

الوسنى.. تحاكيني أسى.. وذبولًا

وضممتُ.. في الليل المقيم وسادتي

أطبقت.. جفنًا مثقلًا... وكليلًا

وحنا السريرُ على حطامٍ هاجعٍ

يغفو لينهض في الصباح عليلًا

عطف السرير.. على بقيَّة مهجةٍ

كادت تودِّعُ،... قاتلًا وقتيلًا

وتصاعدتْ في الليل آهةُ مغرمٍ

شقتْ إلى قلب السماء سبيلًا

إن عنوان النص (الرؤى القدسية) ، وسياقه يوحيان بأن هنالك علاقة صوفية بين الشاعرة وبين مخلِّصها من العذاب، وهذا ما يشير إليه البيت الأخير من النص، بيد أن ذلك المخلِّص بعيد المنال، فالحالة التي تعرضها الشاعرة مكتظَّة بإنجازات العذاب وتجلياته، حيث نرى منذ بداية النص أن هناك صورة نفسية غير مرضية لحياة (هند هارون) ، إذ يتجلَّى الحزن في القصيدة مرات عديدة وكذلك الهم والعذاب.

(1) هارون، هند، سارقة المعبد، ص187-188

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت