فهرس الكتاب
يبدأ النص بالفعل (ألقيت) الذي يعبِّر عن القهرية في عملية (الإلقاء) فهذا الفعل ليس من إرادة الشاعر، ولم تشأ القيام به، بل أجبرت على فعله قهرًا، والذي زاد الطين بلة أنَّ فعل (الإلقاء) كان على (الهم الجريح) وذلك في قول الشاعرة: (ألقيت بالهم الجريح) ، فلم تكتف الشاعرة بذكر مفردة (الهمِّ) مستقلة، بل أصرت على أن تلحقها بمفردة الجريح تعبيرًا منها عن التشوه الذي لم يسلم منه (الهمُّ) أيضًا.
إن (روضتي) في تركيب (روضتي الغنّاء حوَّلها العذاب طلولًا) ليست روضةً مرئية تشاهد بالعين المجرَّدة، ذلك أن هذا الحيز المكاني (الروضة) ، أسقط على الذات فانقلب من معناه المكاني إلى معنى نفسي عميق يعبِّر عن الأشياء الجميلة في حياة (هند هارون) التي تؤمن لها الاستمرارية في الحياة قد اضمحلت وآلت إلى اليبس والقحط.
وتكرِّر الشاعرة الفعل القهري (ألقيت) في تركيب يتشابه مع ذلك الذي رأيناه في مطلع البيت الأول، (ألقيت بالحزن العميق) ، ثم إن الشاعرة تقوم بتعميم حزنها وألمها على العناصر الموجودة في الكون كالنجوم مثلًا في قولها (ونجمتي الوسنى تحاكيني أسى وذبولًا) ، فمفردات (الوسنى، أسى) هي ذات جذور نفسية عميقة عملت على تشكيل اللوحة الشعرية الممتلئة بمعطيات السواد والإحباط، ولعل الشاعرة لم تصف النجمة أنها وسنى إلا لأن حالتها النفسية تقتضي ذلك، كذلك فإن هذه النجمة لم يلفّها الأسى والذبول في اللوحة الشعرية إلا لأن الشاعرة تنطوي نفسيًا على ذلك الأسى وعلى ذلك الذبول.
يتلاحق التعبير عن الحالة النفسية في الأبيات، فالبيت الرابع يشهد حالة من التعب التي تنتاب (هند هارون) ساعة النوم، وذلك في قولها (أطبقتُ جفنًا مثقلًا... وكليلًا) ، فالجفن لم يثقل إلا بالعذابات اليومية ولم يتعب إلا من صور الإحباط والحرمان التي تجعل من الواقع كله صورة سوداء قبيحة.