فهرس الكتاب
لقد أصبحت المرأة أحد مكونات العالم المثالي البعيد المنال الذي يسعى إليه الرومانتيكي المعذب، فمكِّونات العالم المثالي المنشود تتصف بقدرتها على تخليص الشاعر من معوقات الحياة، ويختلف وضع المرأة الحبيبة من شاعر إلى آخر من شعراء العذاب، ولكنها بشكل عام تشكَّل مخلِّصًا بعيد المنال، بل إن المرأة عند بعض هؤلاء الشعراء أحد مكونات العذاب من خلال ابتعادها وغيابها عن ساحة حياتهم. إما لظروف اجتماعية خاضعة للتقاليد وللعادات وإما لظروف شخصية محض، يقول (علي دمر) في قصيدة (غيبوبة الحلم) [1] :
قبل رؤياكِ ما شعرتُ بعمري
كنتُ محوًا وها أنا كالوليد
كالذي زار كوكبًا من جديد
فهو في عالم بديع فريد
كلٌّ خوفي من السقوط من الصحو
لدى يقظة الفراق المريد ... ... (مدور)
ترمز المرأة في المقطوعة إلى صورة من صور الانبعاث والخلق لحياة جديدة يحلم الشاعر بإنجازاتها، ومن ثم فإن عدم وجود الأنثى يعني عدم وجود الحياة إطلاقًا، إذ إن الشطر الثاني من البيت الأول (كنت محوًا وها أنا كالوليد) يفصح عن العدمية في حال غياب الأنثى، ويوضِّح غياب الزمن الجميل بغياب الأنثى.
ويبدو أن حضورها هو الولادة الأولى والحقيقية للشاعر، حيث يصبح للأشياء معنى جديد فريد، وتنقلب عناصر المحيط من حالة سكونية قبيحة إلى حالة حركية، وهذا ما أشار إليه الشاعر في البيت الثاني (كالذي زار كوكبًا جديدًا) تصويرًا للأنا المستقرة بوجود الأنثى، وتتجلى وضعية الاستقرار بأبهى أشكالها في الشطر الثاني من البيت الثاني (فهو في عالم بديع فريد) ، فقد فتحت المرأة أمام (علي دمر) آفاقًا جديدة ونقلته إلى عوالم أخرى لم يكن أبدًا يحلم بها.
(1) دمر، علي، 1968، ديوان غيبوبة الحب، منشورات دار مجلة الثقافة دمشق، ص 51-52