فهرس الكتاب
ندرك أن مفتاح البيتين هو فعل (اذكريني) الذي ألحقت به ياء المؤنثة المخاطبة دليلًا على أن المنادى أنثى، فمجرَّد أن تذكر هذه الأنثى الشاعر أو تلمِّح باسمه تعود حياته إلى زهوها وشبابها، فالفعل الذي تقوم به (الأنثى) في البيتين السابقين هو إعادة الخصب لنديم محمد، ومن ثمَّ تكوين ولادة جديدة وانغماس في السعادة والاستقرار، لأن (الشباب، الزهوة، اللعاب، المجون) حالات تشير إلى أن هناك انغماسًا في الحياة، وهي حالات لاحقة لوجود (الأنثى) ، بل إن المرأة عند نديم محمد شرط ورمز من الرموز التي تساعد غزيرة البقاء على الاستمرار والديمومة والانتعاش وتعمل على توازن (الأنا) .
في البيت الثاني نشهد حالة مماثلة للبيت الأول أو مكمِّلة لها، فالفعل الذي تقوم به الأنثى (الذكرى، اذكريني) يسقط عن الشاعر كلَّ إحساس بالحزن والكآبة وتجلياتها من دمع وأنين.
إن الفعلين (ينشف، يهمد) الواردين في البيتين يوحيان بمقدار العمل الخلاَّق الذي تقوم به (الأنثى) بتأثيرها في نفسية الشاعر، ذلك أن الفعل الأول (ينشف) ، يوحي بانقطاع مطلق للدمع والأحزان، كما أن الفعل (يهمد) يوحي ضمن السياق أيضًا بالراحة والطمأنينة التي تحملها الأنثى، ولعل الفعلين السابقين (نحويًا) جاءا جوابًا للطلب، أما فعل الطلب فهو (اذكريني) لكلا الفعلين، ولا يتحقق ذلك الجواب إلا بوجود فعل الطلب حتمًا، لهذا فإن غياب الأنثى وتمنُّعها عن التلميح باسم الشاعر يلغي جميع معطيات الحياة المستقرة، ويقول نديم محمد في (الأم) [1]
أين أمي.. يداكِ؟ ادنيهما مني
دعي راحتيك في راحتّيا (مدور)
أمِّ لا تذهبي.. يطف شبح الموتِ
وينقضُّ في الظلم عليَّا ... ... (مدور)
إن التساؤل (أين أمي؟) هو في ذاته بحثٌ عن وضعٍ أكثر أمانًا من الوضع الحالي للشاعر، ومن البدهي أن يكون هذا البحث منصبًّا على حضن الطفولة والحنين إليه، ذلك أن الحضن مصدر الهدوء والاستقرار.
(1) المصدر السابق، ص 69