فهرس الكتاب

الصفحة 131 من 309

إن الظاهرة اللغوية الأكثر جلاءً في النص عملية الاستفهام، إذ نطالع في بداية الأبيات الاستفهام الإنكاري (أين دمي؟) فهذا الاستفسار لم يخرج من إنسان يجهل موقع دمه أو لا يدرك حالته، بل هو سؤال امرئ موقن بالمآل الذي وصل إليه على الصعيد النفسي، حيث يشكِّل الضياع والتشتت ومن ثم مرحلة الانعدام (الصورة النهائية لذلك المآل) .

لقد جاءت أداة الاستفهام (أين) بين لفظتي (دمي) حيث (دمي) الأولى توحي إلى القارئ بأن هناك حديثًا عن (الدم) ، ولكن هذا الحديث قد انقطع عند (أين دمي؟) ، لأنه لا مجال للاسترسال في الكلام في وضع ينبئ بالإحباط والحسرة والتأسف على شيء ضاع وتهدّم، ومن ثم فإن هذا الانقطاع يبرز ملامح المستوى الدرامي القائم على صراع مع الذات ومع الخارج.

يأتي الاستفهام الآخر (هل غاله الموت؟) لتوضيح الحالة الأولى من التيه والتشتت، ويصرّح (بالموت) نتيجة لعدم جدوى الحياة من ناحية أخرى.

إن الأبيات تشهد موقفًا قهريًا (سلطويًا) يمارس على ذات (عيون السود) ، ويجعل (الأنا) دائمًا في موقف حرج، فالفعل (أصغى) صورة من صور الطاعة القهرية للموت، ولهذا فإن الاستفسار (هل غاله الموت؟) قد تخلّى عن طبيعته الاحتمالية التي تأتي عبر الجواب، فالمرء في حالة السؤال لا يتوقع جوابًا محددًا إلا أن (هل) عندما جاءت في سياق مبني على أساس قهري أسهمت في تعزيز موقف الموت (العدمية) الذي يخرج به المتلقي، وعليه فقد جاء السؤال (لم أحيا؟) خلاصة لتراكم الانكسارات، وأنواع العجز عند الشاعر ولا نعني بكلمة (سلطوي) -من خلال حديثنا- فئة أو أفرادًا يقومون بفعل (قمعي) ، بل هي تلك الحالة النفسية القهرية التي سيطرت على الشاعر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت