فهرس الكتاب
وكما أن الفعل (أصغى) تجلٍّ للطاعة القهرية للموت، كذلك فإن الفعل (شدّني) في تركيب (شدَّني الشوك إليه) صورة من صور السلطة النفسية التي تحدُّ من فعل (الصراع) عند الشاعر إلى حد كبير، ثم إن مفردة (الشوك) عبر التركيب وعبر السياق الحياتي للشاعر الذي وقفنا عنده سابقًا في حديثنا عن تجليات المعذب في الشعر الرومانتيكي، توحي بأن الرضا عن الواقع الذي أسقطت عناصر أحداثه سلبيًا في ذات الشاعر مفقود، حيث تكونت رؤيا قائمة على أن ما يحدث في المحيط يتداعى وينهار وهكذا يسهم في تداعي وانهدام الذات، لذلك فإن الموت ضرورة ملحّة في نهاية المطاف.
إن السؤال الأخير في النص يرتكز على مخاطبة المطلق المخلّص (اللًّه) ، وذلك في قول الشاعر (لِمْ ضيقت بابك؟) ، حيث أصبحت الثقة بالخلاص مهتزة، مما يعزِّز السوداوية وفقدان التوازن والثقة بجميع الأحداث والأمكان والعلاقات، إذ ينطوي هذا التساؤل على عملية تنفيسية لتفريغ شحنة من شحنات كثيرة في أعماق الشاعر.
إن التراجع إلى أعماق الذات ومخاطبتها بصورة مهموسة توضَّحا عبر (الكاف الساكنة) في مفردتي (جوابك، بابك) ، فقد أدت هذه (الكاف) دورًا حيويًا في إضاءة الحالة تماشيًا مع معطيات النص الأولى، فتلك (الكاف) أوحت بالتعب والإنهاك والقنوط توازيًا مع سطوة الحياة على الذات الشاعرة.
ولقد ابتعد الشاعر قدر الإمكان عن التركيبات النحوية الجاهزة التي تختزنها القصيدة الإحيائية، والتي تنمّ على موقف جمالي مسبق، وفضَّل تجزيء هذه التراكيب بما يتناسب مع حالة التشتت ، وعمد إلى الوقف بين تركيب وآخر، ولا نقصد بكلمة (عمد) هنا الحالة الناتجة عن عمل ذهني محض قائم على إتمام التراكيب والمفردات وإعمال العقل فيها بصورة كبيرة، بل إن ذلك الوقف والتجزيء قد صعّد الموقف الدرامي وارتكز على الموقف النفسي تجاه المحيط، ويتوضَّح هذا الوقف وتجزيء التراكيب والحذف فيما يلي:
... ... وقف (صمت)
ودمي ... ... ... أين دمي؟
... ... زمن طويل