فهرس الكتاب

الصفحة 136 من 309

من قصيدة له بعنوان (خيبة) اخترنا الأبيات التالية، إذ يقول فيها:

كلاّ.. وأجفل صوتها الرعديد في الشفتين: كلاّ

من أنت؟‍ذاك الشارد الهيمان، تطوي العمر ظلا

من أنت؟‍صوتٌ شاحب النبرات، مجهولٌ أطلا

عينان غائرتان حدّقتا، وماضٍ قد تولى

شبحٌ يمر على الوجود، يداعب الزمن المملا

ليلٌ من الأبد الطويل، وصورة بلهاء تُتلى

دعْني.. فثغرك ميت الأسرار، مقرور، تدلَّى

وخطاك هدَّتها الرياح، ولا أحبك أن تزلاّ

الآثار ص86

يظهر النص دهشة الآخر (الأنثى) من الحالة التي آل إليها الشاعر والتي تنطوي على (المعذب العدمي) ، وتكمن تلك الدهشة من الصورة المشوَّهة التي آل إليها الشاعر على الصعيدين النفسي والجسدي.

يبدأ النص بأداة الزجر (كلا) ذات البناء الصوتي المميز، حيث حدث وقف زمني بين (كلاّ) والتركيب الذي يليها (وأجفل صوتها الرعديد في الشفتين) ، و (كلا) تشكِّل موقفًا رافضًا لوضع الذات الشاعرة؛ وتكوينها الصوتي جاء أعلى من التكوين الصوتي لمفردات التركيب الذي يليها بشكل عام والذي يوحي بالحسرة والاستغراب، ثم حدث وقف زمني آخر بين تركيب (وأجفل صوتها الرعديد) و (كلا) الثانية التي تؤكّد الأولى، وتصرُّ على رفضها لتعطيل الإرادة وللتشويه الموجود عند (الصوفي) .

إن الوقف الزمني الذي أشرنا إليه والذي تكرَّر مرتين قد حقق وعمّق دهشة الآخر، (الأنثى) من حالة الشاعر، لأن الدهشة تترافق عادةً بالصمت والتأمل الشديد لظاهرة غريبة جديدة، وبالضرورة فإن البيت الأول قد اخترق نظام التركيب الذي تقوم على أساسه المدرسة الإحيائية، فلم يجعل من النظام العروضي الخليلي غايةً، بل وسيلةً لإظهار الحالة الشعرية التي تتصاعد منذ البيت الأول، ولعل ذلك الاختراق يلغي تقاطع (الأنا) الذي رأيناه عند مجموعة من شعراء الإحيائية مع (الأنا) الموجودة عند الكثير من الشعراء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت