فهرس الكتاب
في البيت الثاني نقف عند التساؤل (من أنتَ؟!) إذ يوحي هذا الاستفهام بالعديد من الاحتمالات في الإجابة، ويحمل أيضًا في طياته الاستغراب والسؤال عن المجهول والحسرة الخ..، وإذا ما أردنا إسقاط ذلك الاستفسار على النفس، فإننا ندرك أن هناك ضياعًا واضمحلالًا للذات أمام الضغوطات وتضخُّم المكبوتات.
يأتي الاستفهام ذاته في البيت الثالث (من أنت؟!) وتأتي الإجابة عنه (صوت شاحبٌ النبرات) ، حيث يشير هذا التركيب الأخير إلى عملية تعطيل الحواس، إذ تداخلت مفردة (الصوت) التي ترتبط بحاسة السمع مع مفردة (شاحب) التي ترتبط بحاسة (البصر) ، ويتماشى هذا التعطيل مع تعطيل الإرادة عن عمل قائم على الصراع، طالما لمسناه عند (عبد الباسط الصوفي) في قصائده.
ومن التراكيب التي يجدر بنا أن نقف عندها (ليلٌ من الأبد الطويل) ، فـ (ليل) مفردةٌ نكرةٌ تفيد الإطلاق وتوحي بالرعب والحزن، ثم جاءت مفردة (الأبد) لتقوم بزيادة مساحة الشعور بذلك الرعب، على الرغم من أنها جاءت معرفة بـ (أل التعريف) ، لهذا فقد عزَّزت التنكير الذي يحيط بـ (الليل) .
يفاجئنا الفعل (دعني) في البيت السابع بالقطيعة بين الشاعر والأنثى، وهو بالضرورة انفصال عن تحقيق رغبة هامة من الرغبات التي تنقذ ذات الشاعر ولو بشكل نسبي من الانكسارات العديدة، فالشعور بأنَّ (الثغر ميت الأسرار) ينم على عجز عن التواصل مع الأنثى، لأن عدمية الصراع صبغت كل شيء لدى الصوفي، وغيّبت عن ناظريه الأمل وكلَّ سبيل إلى النور.