فهرس الكتاب
يُعزّز مقولتنا هذه أن الموسيقا -كما أشرنا- مستخدمةٌ كغاية لبناء منظومة لغوية تقوم على انتقاء المفردات وعلى انتقاء عكسها على صعيد المعنى بصورة لا تكترث للحالة أو تكترث لتعميقها، ومن ذلك على سبيل المثال تراكيب (يطويني الحرف وأنشرهُ، يشربني الحرف، وأشربُهُ) ، حيث لم تُعمّق هذه التراكيب الحالة، بل إن هناك استخدامًا غير موظف للبلاغة القديمة في رصد الحالة، كاستخدام الطباق (نهار، ليل) ، (يطوي، ينشر) ، (الشرب، صدي) وعليه فقد تمّ تسخيرُ الموسيقا لخدمة هذه المكونات البلاغية (المكوّنات الشكلانية) ، دون الاكتراث لرصد (مكوّنات الحالة) ولـ (علي دمر) قصائد أخرى يعتمد فيها بشكل كبير على لغة النص الشعري القديم، لذلك فإن موسيقا هذه النصوص تُحال على مرحلة تاريخية اجتماعية سابقة.
إن البيت الأول من النص السابق قد كثف الحالة الشعرية بمجملها، فمِنْ هذا البيت ندرك أن هناك شوقًا إلى أنثى ما، ومنه ندرك أيضًا أن هناك قطيعة مع امرأة ما، ومنه كذلك نستطلع أجواء الحرمان التي يعيشها الشاعر الخ..، أما بقية الأبيات فلم تستطع أن تولّد حالة متصاعدة جوهرية، كما أن الموسيقا في البيت الأولى كانت عاملًا واضحًا في إتمام حالة التكثيف، مما يبرز مقولتنا حول التزيينية التي أصابت الأبيات الأخرى.