فهرس الكتاب

الصفحة 164 من 309

لقد كان السياب غريبًا في المدينة وهو ابن الريف، إنها تقوم باضطهاده سياسيًا وتجعله تابعًا مهانًا، وتضطهده اجتماعيًا لأنها تجعل منه عبدًا محرومًا، ويبدو أن تجربة الحزب الشيوعي قد جعلت بدرًا مضطهدًا ومشرّدًا، ولكنها حوّلتْ إحساسه الفردي إلى شعور بفاجعة المجتمع وتوسعت دائرة الإحساس بالموت لديه، إذ كان الموت فيما سبق موته وموت أمه أما فيما بعد، فقد أصبح الموت موت الآخرين عامة، لهذا فإن ردة فعله الواضحة على قبح الظروف الموضوعية والاجتماعية هي العودة إلى الماضي إلى (جيكور) ، وإلى أمه الحضن الأول، كحالة من حالات البحث عن الحرية المفقودة، وكذلك البحث عن صورة مثلى للتوازن النفسي.

ففي قصيدة (أفياء جيكور) تصويرًا لكل ما هو جميل في الماضي الذي يعادل قُبْحَ الحاضر: [1]

نافورة من ظلال، من أزاهير

ومن عصافير..

جيكور، جيكور، يا حقلًا من النور

يا جدولًا من فراشات نطاردها

في الليل، في عالم الأحلام والقمر

ينشرن أجنحة أندى من المطرِ

في أول الصيف

يا باب الأساطير

يا باب ميلادنا الموصول بالرحم

من أين جئناكِ، من أي المقادير؟

من أيّما ظُلَمٍ..؟

وأي أزمنة في الليل سرناها

حتى أتيناكِ.. أقبلنا من العدم..؟

أم من حياة نسيناها

جيكور مسّي جبيني فهو ملتهبٌ

مسّيه بالسعف

والسنبل الترف

مدّي علي الظلال السمر، تنسحب

ليلًا، فتخفي هجيري في حناياها

يعرض النص لصورتين متناقضتين، حيث تجسد الصورة الأولى الماضي (الطفولة، ساحات جيكور) بكل تفاصيله الجميلة التي تفضي إلى الحميمية التي يفتقدها الشاعر الآن في ظل الظروف الموجودة، فالفراشات والأزاهير والعصافير والأحلام والقمر على صلة وثيقة بجيكور المنبع الرئيسي لحالة التوازن، وحالة البحث عن الذات.

(1) السياب، بدر شاكر، 1971، الديوان، دار العودة، بيروت، ص 186-187.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت