فهرس الكتاب
أما الصورة الثانية فهي صورة الحاضر الذي يقف حائلًا دون تحقيق رغبات الذات (ظلم، العدم، ملتهب، هجيري) لهذا فإن الحنين إلى الماضي هو حنين إلى الحرية، ولذلك فإن الرجوع إلى جيكور وتصوير الأماكن والعناصر بشكل جميل، آتٍ لردم الهوة التي نتجتْ عن الواقع.
إن جيكور كما يعرضها النص أصبحت تاريخًا، بيد أنه تاريخ ممتلئ بأشكال الحياة الجميلة، ومن ثم فإنه من الطبيعي أن يُسقط هذا التاريخ على الحاضر الممتلئ بأشكال الحياة القبيحة، وبالضرورة فإن هذا الإسقاط هو اسقاط لأشكال الحرية على أشكال القيد المتمثّله بالاضطهاد والاستلاب وتغييب الذات الحقيقية عن ساحة الفعل الحر.
إن الظواهر السلبية التي عاناها السياب في المدينة كالاضطهاد والاستلاب، قد أظهرت في النص تجليات متعددة للمعذب، كالمغترب، والعدمي، وما ينطوي تحت تلك التجليات من حالات الضياع والقلق، حيث شكّلت المفردة في النص رمزًا يوحي بتلك الحالات، فـ (الهجير، الظلم، العدم) هي معطيات الواقع، ذلك أن (الهجير) و (الظلم) تكثيف للصراع الداخلي لدى الشاعر من جهة، والناتج من جهة أخرى عن صراع مع قيم المجتمع.
لقد كانت عودة السياب إلى الماضي من حالات (الحلم) التي لجأ إليها شعراء الحداثة عامة والمعذبون منهم خاصة، فالشاعر المعذّب يميل إلى الحلم بدرجة كبيرة لأن الهوة بينه وبين الواقع عميقة وكبيرة، حيث اقتربت لغة الشاعر الحديث من اللغة السوريالية التي تمجّد عمل الحلم، والتي تعتمد على إخراج مكنونات اللاشعور في حالة من التداعي الحر.