فهرس الكتاب
"الاغتراب أشد العواطف عمقًا في الشعر، وما زال الإحساس الأولي بالاغتراب مبثوثًا، بهذا الشكل أو ذاك، في شعرنا الحديث والمعاصر، وبالتالي فإن الثنائية الضدية: الاغتراب- الألفة، خلقت وترًا شعريًا عميق النبرة والنغم" [1] ، وقد أشرنا فيما سبق إلى أن الاغتراب يُبرز الجانب القيمي على اختلاف أنواعه (الاغتراب الاجتماعي، والاغتراب الروحي، والاغتراب المكاني الخ..) ويمكن لنا أن نقف عند سمات (المغترب المعذب) وأشكال اغترابه في قصيدة الحداثة وفق ما يلي:
أ-الاغتراب عن المدينة:
إن"من أولى السمات التي أكّدها الشعراء بالنسبة إلى المدينة، ولعلها الأهم سمة التدمير التي تمارسها على قاطنيها وعلى الوافدين إليها" [2] ، ذلك أن نظرتهم إلى المدينة تأخذ طابعًا سلبيًا في كثير من الأوقات، إذ تذوب إنسانية المرء وتتلاشى في خضم العلاقات الاجتماعية السلبية.
لقد ارتبطت غربة (محمد الماغوط) عن المدينة بالحزن، بل إن الحزن سمة رئيسة في قصائد الشاعر، حيث راح (الماغوط) يبحث عن عالم أكثر اطمئنانًا واستقرارًا من جواء المدينة، يقول في قصيدة (رسالة إلى القرية) [3] :
في المساء يا أبي
مساءِ دمشق البارد والموحش كأعماق المحيطات
حيث هذا يبحث عن حانة
وذاك عن مأوى
أبحث أنا عن (كلمة)
عن حرف أضعُهُ إزاء حرف
مثل قط عجوز
يثب من جدار إلى جدار في قرية مهدّمة
ويموء بحثًا عن قطّته
ولكنْ.. أوتظنني سعيدًا يا أبي؟
أبدًا
لقد حاولتُ مرارًا وتكرارًا
أن أنفض هذا القلم من الحبر
كما يُنفَض الخنجر من الدم
وأرحل عن هذه المدينة
ولو على صهوة جدار
ولكنني فشلت
(1) عبود، حنا، القصيدة والجسد ص70
(2) عساف، عبد الله، الصورة الفنية في قصيدة الرؤيا، ص103
(3) الماغوط، محمد، 1973- /الأعمال الكاملة/ دار العودة- بيروت ص305-306