فهرس الكتاب

الصفحة 169 من 309

إن المكان المتمثّل بالمدينة مصدر للوحشة وللبرودة، حيث الوحشة والبرودة عنصران سلبيان اقترنا بذلك المكان، بل هما عنصران نفسيان معنويان أكثر منهما عنصرين ملموسين (يمكن إدراكهما بالحواس) وهما ناتجان عن بناء غير متوازن في المحيط، لذا فإن الاغتراب هو النتيجة التي آل إليها (الماغوط) بعد أن فقد ثقته بإعادة تكوين ما تهدّم في الواقع (المدينة) ، ومن ثم راح الشاعر يعرض في النص لأفعال تنم على أنه يفتقد عالمًا آخر غير عالمه الحالي (أبحث أنا عن كلمة، عن حرف أضعه إزاء حرف) ، غير أن هذا البحث في ذاته مشوّه، ويوطّد العزلة داخل المدينة وعن المدينة، فهو يبحث عن مراده (مثل قط عجوز، يثب من جدار إلى جدار في قرية مهدمة) .

ولعل المرء يدرك مقدار الصعوبة في عملية البحث، لأن الماغوط قد وضع أمامه حواجز مريرة وصعبة في تحرّكه عبر تشبيهه لذاته بـ (قط عجوز) وعبر (تهديم القرية) ، مما يُضعف الأمل بالوصول إلى حالة مشرقة ومنفتحة على الواقع أيضًا.

ارتبطت عزلة الماغوط واغترابه في النص بالحزن، من خلال حواره مع شخصية أخرى، أرادها هنا أن تكون والده، الذي يشكل متكأً تتواصل عبره معطيات الحالة ومفتاحًا للنص، فتساءل الشاعر (أوتظنني سعيدًا يا أبي؟) ويأتي الجواب بالنفي القاطع (أبدًا) .

ويعاود الشاعر الحديث عن محاولاته المتكررة للخروج من ضيق المدينة وسطوتها عليه، والتحرر من العوائق الكثيرة المضنية، (لقد حاولتُ مرارًا وتكرارًا، أن أنفضَ هذا القلم من الحبر، كما يْنفض الخنجر من الدم، وأرحل عن هذه المدينة) ، بيد أن العجز تجذّر مع تراكم الزمن وتراكم الإحباطات، وامتزج شعوره بالعجز وبالسخرية المُرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت