فهرس الكتاب

الصفحة 170 من 309

لقد أراد (الماغوط) أن يرحل ولو (على صهوة الجدار) ، إلا أن المدينة مكان مهدّم ومدمر، استسلم الشاعر لمعطياته ولتكوينه، فأعلن انسحاقه في نهاية المطاف (ولكنني فشلت) ، ويبدو أن هناك أيضًا موانع متأصلة في ذاته جعلته عاجزًا عن الرحيل أو حتى التفكير به، لأن (الرحيل) عن المدينة، هو أيضًا رحيل معنوي عن العلاقات السلبية والظروف الموضوعية وليس رحيلًا جسديًا حركيًا، وما الوحشة والبرودة في مطلع النص إلا شعور خفي بتعطيل الإرادة عن فكرة الرحيل، التي لم تتكلل بالنجاح في نهاية النص.

إن السياق العام للنص يربط بين البرودة من جهة، وبين تعطيل الحركة والصراع والخروج من دائرة المدينة المليئة بالمفاسد من جهة أخرى، وهكذا فإن اغتراب (الماغوط) عن المدينة هو اغترابُ (معذّب) ، لاقترانه بالسكونية، فالواقع قبيح غير أن الشاعر لا يستطيع تغيير هذا القبح، بل اكتفى بتصويره، ومن ثم أعلن فشله في النهاية، وكذلك كان شأن المدينة في معظم قصائد الماغوط [1] حيث يعبّر عن استيائه من المدينة بشكل عام، الأمر الذي تسبّب له بالعزلة والاغتراب.

أما الشاعر (علي كنعان) فإنه يصرّح بالسلبيات التي تجعله مغتربًا عن المدينة، حيث يقول في قصيدة (دمعة للزنابق الميتة) [2] :

لأنني أعيش في مجرى وحول هذه المدينة

لأنني أرضعُ في مستنقع السمّ

لدى أرخص ما فيها من البغايا

لأنني أنوسُ بين رغوةِ السطح

وأدران الحضيضْ

لأنني أقطع من جبيني

أريكة، ومن ضلوعي سُلّمًا

ترقى عليه جوقة اللصوص والغلمان

والسماسره

(1) من هذه القصائد قصيدة /سماء الحبر الجرداء/ يقول فيها:

لقد سئمتك يا بيروت

ياسرطانًا من الحرير

لا المرأة ولا الحرية

لا الشرف ولا المال

يزيل هذا اليأس من قلبي

دعيني أحتضر فوق الجبال

دعيني أرفرف كالنسر بين الأقدام

المجموعة الكاملة، ديوان /غرفة بملايين الجدران/ ص214-215

(2) كنعان، علي 1979- /ديوان أعراس للهنود الحمر/ ط1- دار المسيرة، بيروت ص54-55

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت