فهرس الكتاب
إن تراكم الأخلاق المتردّية وتعاظمها في المجتمع، جعل المدينة عامل تدمير واغتراب للذات، التي ما زالت تحتفظ بالكثير من النقاء والبراءة والفطرية، حيث تعرَّضَ النقاء -من خلال النص- لانتهاكات قاسية في مجرى العلاقات التي تقوم على الخداع والنفاق، فـ (مستنقعُ السمّ، والبغايا، واللصوص، والمجرمين) عناصر تقف ضد توازن (الأنا) ، بل إنها عامل من عوامل الموت المؤكد، الموت الذي سيأتي نتيجة للاغتراب الحاد (يموت الطفل في جراب أمه، يصدأ اللؤلؤ في المحار) .
إن كل خيّر في مدينة (علي كنعان) هذه مغترب، إلا أنه ليس معذبًا بالضرورة غير أن الاغتراب في النص يحمل بين جنباته العذاب، لأن الخيّر لم يستطع أن يتفادى وطأة الصورة القاتمة في المحيط، فهو لا يقدر على فعل شيء أمام تفشّي الظواهر المريضة الكثيرة التي يراها هنا وهناك، وهكذا انتهى الأمر إلى تأزم نفسي، تفاقم حتى انتهت إثره العوالم المضيئة والبريئة في آن (الطفل، الزنابق) .
أما الشاعر (أنسي الحاج) فإن دائرة الغربة عن المدينة تتسع لديه لتشمل البلاد بأسرها، عبر حوارية بينه وبين تلك البلاد. ولكن هذه الغربة عن البلاد لم تتبلور حتى تدخل حيّز /المعذب/، على الرغم من أن الأجواء العامة لقصائد (أنسي الحاج) ، توحي بالعذاب وتوحي بتبلور مفهوم /المعذب/ لديه، إذ إننا نرى في تلك الغربة حالةً من الثورة (بعض القصائد لديه) [1] ،
(1) يقول أنسي الحاج في قصيدة نشيد البلاد:
يا بلادي من الأعماق لا أناديك
لم أقرأ قصتك، وأتمناك رحمًا
أفزّره
خائن!
يا بلادي، أتزوجك لأتقذّر
حظي معك منك، تجنين كيف لا أبالي بكِ،
تجنين حقيقة؟ رحنا إلى المحلات
فتنتكِ رصاصة
هيجتُكِ ولم تطلقي
ديوان، (لن) 1982- ط2 المؤسسة الجامعية للدراسات، بيروت ص81