فهرس الكتاب

الصفحة 174 من 309

-من أرض الموتى، من أجران الدمع أتيتْ

لم أسكن بيتْ..

وحينما نزلتُ في مقبرهْ

والشمسُ تلتفُّ على كاحلي

كالعشبةِ المسكرهْ

حملتُ للجوع قرابينهُ

"كان دمي أضحيّةً هاجرَتْ"

إلى غدٍ آخر

كانت يدي مجمرهْ""

لم تكن (أرض الموتى) و (أجران الدمع) سوى الجذور التي تأسس عليها وخرج منها القلق، ومن ثم الضياع، ذلك أن تساؤل الافتتاحية (من أين أتيت؟) يوحي باحتمالات مكانية للقدوم، بيد أن هذه الاحتمالات لا تصبّ إلا في اتجاه واحد ممتلئ بمظاهر الإحباط وصور الموت، حيث تشكلتْ لدينا حين قرأنا (لم أسكن بيت) صورة الضياع والتيه كبداية لعذابات أخرى شديدة.

إن (البيت) عامل استقرار وطمأنينة ولا بد للقلق الناتج عن عدم الاستقرار من أن يجعلنا نتوقع لا شعوريًا أو شعوريًا أجواء أخرى مرعبة في النص، وقد تجسدتْ هذه الأجواء في (وحينما نزلتُ في مقبرة) ، تعميقًا للضياع وللقلق الذي يسم نموذج /المعذب/ في المقطوعة.

يُسقط الشاعر الأجواء الأسطورية في النص -والتي تنمّ على تهدم وانكسار- على ساحة الواقع، إذ إن هذه الأجواء في ذاتها تبرز حالة من حالات الاغتراب الحاد أمام سلطة (الجوع) بالمفهوم النفسي العميق للكلمة، حيث يمهّد الشاعر لهذا (الجوع) بفترة من فترات الضياع أيضًا، حين تصبح (الشمس) مصدر قلق وتيه (كالعشبة المسكرة) .

إن هذا التمهيد يُعزّز الجوع في (حملتُ للجوع قرابينه) ، فـ (الجوع) في النص يفرض احتمالات عديدة ضمن السياق (الفراغ النفسي، والضياع، والقلق، والاغتراب، الخ..) ، ثم يقوم تركيب (كان دمي أضحية هاجرت إلى غدّ آخر) بتأكيد تلك الاحتمالات بما فيها الضياع، ومن ثم الاغتراب حتى عن الزمن، الذي يُشكّل في النص أيضًا زمنًا نفسيًا (غدٍ آخر) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت