فهرس الكتاب

الصفحة 176 من 309

ويأتي المقطع الأخير مكثفًا أشكال الضياع والاغتراب، عبر سخرية مرة، إذ تبدو فيه مظاهر الاشمئزاز والشعور بالنهاية من خلال رؤيا أخرى للعالم المخيّب للآمال، والضائع حيث عمّم الشاعر ضياعه على كل الأشياء المحيطة حوله، فالأنثى أي (العالم) حسب رؤيا الشاعر تائهة بين (الاستقرار) المتمثل بالغيمة وبين (التيه) و (الموت) المتمثّلين بالربع الخالي، غير أن الاستقرار في (الربع الخالي) هو استقرار قهري مرعب يُعزّز فكرة الضياع والتأزم النفسي التي يعانيها نموذج /المعذب/ في النص.

إن (يوسف الخال) عندما أراد أن يشفق على هذا العالم الضائع عبر تشبيهه بالأنثى التي سقطت سقوطًا ذريعًا في عالم الضياع (الربع الخالي) بعد فترة من التيه أيضًا، فإنه أراد التركيزَ على حالته المشّتتة وتعميق حالة العمى التي تسيطر عليه في بداية المقطوعة، وعليه فإن سقوط الأنثى (العالم) هو سقوطه وضياعه أيضًا، وإن إشفاقه وتأسّفه على ما يحدث للعالم (الأنثى) ، هو تأسّف على ذاته المعدّبة التي لا تستطيع أن تفعل شيئًا.

ولعل إلحاحنا على مسألة (الإشفاق والتأسف) ناتجٌ عن تشبيه العالم بالأنثى التي هي مصدرُ كل عطاء وخير، لذلك فإن أسفَ الشاعرِ على هذا العالم هو أسفٌ على الخير والعطاء والاستقرار لضياعهم أجمعين.

أما النص الأخير الذي سنتوقف عنده فهو للشاعر (شوقي بغدادي) من قصيدة /الرغبة في الرحيل/ يقول فيها [1] :

ليس سوى حقيبة وحيدهْ

وليس إلا الرغبة الأكيدهْ

في رحلة بعيدة بعيدهْ

أذوب في المحطة الكبيرهْ

بلا رفيقْ

أطوي الطريقْ

في عربات البضائعْ

فوق جسور السفنْ

وفي ضجيج المدنْ

أحسُّ أنيّ ضائع

(1) بغدادي، شوقي 1969- أشعار لا تُحَب، مطبعة الجمهورية، دمشق ص79

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت