فهرس الكتاب
نبدأ من حيث انتهى النص، حيث كان ضياع الشاعر هو الثمن الباهظ الذي دفعه للمدينة الحديثة وللحضارة المعاصرة بخصائصها وأسسها المنعكسة سلبًا عليه، لما تُنْتِجُهُ من علاقات مادية صرفة على حساب إنسانية الإنسان، إضافة إلى العلاقات الاجتماعية الفاسدة.
إن (عربات البضائع) ، وجسور السفن، وضجيج المدن) هي من منتجات العصر الحديث الحضارية التي وجدت بفضل التطورات العلمية الهائلة، وكانت سببًا رئيسًا من أسباب ضياع الشاعر وقلقه، لأنها تقف حاجزًا منيعًا دون العلاقات الاجتماعية الحميمية، بيد أنها تُفسح المجال لعلاقات تفتقد المودة بين الناس على الرغم من أنها مفيدة على صعيد إنجاز الأعمال وتسهيل الحركة والإنتاج، ولكن الإنسان الذي يمتلك الكثير من الأحاسيس والمشاعر لا يملك إلا أن يرفض هذه المنتجات قهريًا، ومن ثم بدا ضياعه مقترنًا بالعزلة المتسّعة شيئًا فشيئًا حتى عن الأصدقاء (بلا رفيق أطوي الطريق) .
كانت محاولة الإسراع في الرحيل ضرورةً قصوى للشاعر، غير أنه لم يصرّح بالمكان الذي يود الرحيل إليه، لأنه من البدهي مكانٌ مناقض (في التكوين وفي العلاقات) للبيئة السائدة.
إن قول الشاعر (ليس سوى حقيبة وحيدة) لم يأت عبثًا، لأنه عندما حدّد عدد الحقائب بواحدة في رحلته الطويلة قد شاء أن يسرّع في عملية الانتقال إلى عالم مثالي بأقصر فترة ممكنة، وما قوله أيضًا (رحلة بعيدة بعيدة) وتأكيده على (بعيدة) مرتين، سوى تعميق لحالة الاغتراب من جهة، وهربٍ حاسم، من دون عودة إلى الواقع الموضوعي، كذلك فإن الذوبان في (أذوب في المحطة الكبيرة) يوطّد صورة الهرب والاختفاء عن (ضجيج المدن، وعربات البضائع، وجسور السفن) لأن هذه الأشياء أضحتْ مرعبة ومقلقة.