فهرس الكتاب
وقلما نجد شاعرًا في الحداثة لم يتحدث عن الضياع في قصائده، غير أن هذا الضياع شأنه شأن العذاب، يتفاوت في الوضوح والتبلور بين شاعر وآخر أيضًا، إلا أن البيئة هي العامل الرئيسي من عوامل الضياع باعتباره اغترابًا يبرز فيه الجانب القيمي.
ج-الأم والعودة إلى الطفولة:
إن عودة المغترب إلى مرابع الطفولة هو هرب من الواقع الأليم إلى واقع ماضٍ مفعم بالسعادة والبراءة، هرب إلى حضن الأم الدافئ، إلى أطفال الحي واللعب معهم، غير أن بعض من اغتربوا من الشعراء لا يعودون عودة حميدة إلى الطفولة، بل إن غربتهم نشأت معهم منذ تلك الفترة وتعمّقت مع مرور الزمن وتعاقب الأحداث.
تأخذ الغربة أشكالًا متعددة عند الشاعر مروان خاطر (الغربة عن المدينة، والغربة الذاتية، والغربة السياسية، يقول في قصيدة(أبحث عن أمي) [1]
أتعذّب يا أمي
أتوحّد يا أمي
أستحضرُ وجهك من زمن
تتبّدلُ فيه وجوه الأحباب الخلّصِ،
ترتدُّ الألوانْ
يتحلل أخضرّها للأصفر والأزرقْ
يتنامى الأحمرُ يملأ كل مكانْ
واللونُ الآخر يهربْ
مَنْ لا يهربْ قد يغرق
أستحضرُ وجهك يحميني
ويعيد إليّ براءة صوتٍ
جرحه الحرمان
إن (التوحّد) في (أتوحّد يا أمي) حالةٌ عكس التشتت، غير أن تلك الحالة مؤقتة، فالمسألة مجرد استحضار مؤقت للأم، التي تشكّلُ صورة من صور الاستقرار الرئيسة، والاستحضار هذا لا يتم إلا في وضع (التوحّد) أي استجماع عناصر الذات الضائعة والمغتربة.
ولعل الاستعانة بالأم على قدر كبير من الحيوية في مواجهة الواقع الذي يعيشه الشاعر، فهي لا تقع في دائرة الألوان المتبدّلة (الأصفر، الأزرق، الأحمر) ، هذه الألوان التي تُمثّل حالات المخادعة والزيف وتبدّل الأقوال والأفعال بين الناس، بينما (الأخضر) هو اللون الوحيد المطلق للأم، إذ يرمز لكلّ ما هو خيّر ومعطاء.
(1) خاطر، مروان، 1994- الأعمال الشعرية ط1- المطبعة العلمية، ص193