فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 309

أما (الأحمر) فهو اللون الأكثر سلطةً وقمعًا وزيفًا في المجتمع، إنه يتصاعد رويدًا رويدًا إلى الواجهة وكلما تصاعد خشيّ (الأخضر) منه أكثر فأكثر، ومن ثم يهرب ذاك (الأخضر) ويحدث الاغتراب، حيث (الأخضرُ) منسحُقُ، ويبدو أن (الشاعر) يطلب من ذاك (الأخضر) الهربَ من وجه (الأحمر) رمز الزيف والمخادعة، لأنه لن يسلم (من لا يهرب قد يغرقْ) ، وهو بالضرورة لم يسلمْ، بل هو مغترب لا محالة.

إن استحضار وجه الأم كمصدر للحماية، لا ينفي سمة العذاب والاغتراب من النص مطلقًا، أو عن الشاعر، باعتبار أن وجه الأم يشكّل فسحة أمل، ولكن ذلك الاستحضار -يوحي ضمن السياق- بأنه هربٌ مؤقتٌ كما أشرنا، لأن العلة والمخادعة والرياء أشياء وعناصر انعكست سلبًا في نفسية (مروان خاطر) ، لهذا فإن ذلك الانعكاس لا يتيح المجال لأي فعلٍ من شأنه أن يغيّر الواقع، لذا فإن تلك الأشياء والعناصر ستبقى تنتج تأزمًا نفسيًا عبر زمن طويل، على الرغم من أن (وجه الأم) ذو هدف تنفيسي، لكنْ لبعض الوقت.

أما الشاعر (علي الجندي) فإنه يتعرض لمرحلة الطفولة بكثير من الأسى من خلال قصيدة (قطري بن الفجاءة) المُسقطة على ساحة الواقع، إذ لا تخلو من العذابات المختلفة من قلق وضياع مستذكرًا أطفال الحي وكيف كانوا يلعبون، [1] :

وخُيّل للحالمين الصغار بأن الزقاقَ نهايةَ دنيا

وأن الحجارة والعشبَ جنّةُ حبٍّ ونجوى

ومنْ نبع هذا السكون المزقزق ياما شربْنا،

وذاكَ الطريقُ المؤدي إلى الليلِ كان الصراطُ

وكنّا نخاف عبوره

وكانَتْ تراءى على جانبيه طيوفْ، وأشباحُ موتى

تواروا خلال الظهيرهْ

أليستْ طريق المقابرِ دربًا مهيبًا يُشَرّع للعابرين

قبورَهْ؟

وأمضي أُنَقّلُ خطوي برفق خلال المدينهْ

إذا لاح طفلٌ يحدّق فيّ، يخيّل لي أنّ

أمسي يلوح بعينيه، أحزنُ، يوقظُ

آلامَ عمري الدفينهْ

(1) الجندي، علي، 1969- الحمّى الترابية المكتب التجاري للطباعة والنشر والتوزيع- بيروت ص16-15

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت