فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 309

فلستُ أرى في الناس قاطبةً أُنسا

ومايئِسَتْ نفسي من الدهر إنما

تنكَّرَتِ الأخلاق فاختارتِ اليأسا

تجافَتْ عن الدهماءِ لمْ تحتفلْ بهم

ترى عبْسهم بشرًا، وبشْرهم عَبْسا

فما ألِفتْ في الليل بارقَةَ الدجى

ولاهِيَ نَاغَتْ في رفيفِ الضُحى الشمسا

يشير الشاعر في النص إلى بناء غير سليم للقيم الاجتماعية، فيضطره هذا إلى بناء عالمٍ جديد له قائم على الاغتراب والعزلة.

إن (المغترب المعذب) في النص ينطوي تحت (المغترب قيميًا) عن السائد في المجتمع، حيث يصرَّح الشاعر أن همومه وعذاباته لاتتعدى ذلك الاغتراب القيمي إلى اغتراب وجودي كوني (ومايئسَتْ نفسي من الدهر) ، إذ تمَّ التركيز على مظاهر الخلل في البيئة المحيطة (تنكّرَتِ الأخلاقُ فاختارتِ اليأسا) .

أما على الصعيد النفسي فما زال هناك تقاطع بين (أنا) الشاعر و (أنا) شعراء آخرين ذلك أن (شفيق جبري) ما زال متأثرًا بالمدرسة الإحيائية الجديدة وبالنص الشعري القديم تركيبًا ومفردات (يؤنسني هجر الديار، تجافَتْ عن الدهماء، بارقة الدجى) .

يأخذ اغتراب شفيق جبري منحى آخر هو من السمات الأصيلة في الشعر الرومانتيكي، ويتجلَّى هذا المنحى في الاغتراب عن المجتمع بالهرب إلى أحضان الطبيعة والتغنِّي بعناصرها (الغمام، الطيور، البان) فمِنْ قصيدة"ليتني"نختار هذه الأبيات للشاعر يتغنى بعناصر الطبيعة ويبث شكواه لها بنبرة من الحسرة والتشاؤم فيقول [1] :

ليتني ياحمامة البان غرِّيـ

د أغنِّي كما يغنِّي الحمام (مدور)

فأناجي الضياءَ في وضَحِ الصبـ

ح ونجوايَ في الظلام الظلامُ (مدور)

وأبثُّ الغمام ما يُقلِق الفكـ

ـرَ فيأوي -لمَا أبثُّ- الغمام (مدور)

(1) المصدر السابق، ص103.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت