نبدأ من حيث انتهى البيت الثالث، ذلك أنَّ الخلل الذي أفضى إلى العذاب هو (مايُقلِق الفكر) ، وبالضرورة فإن ذلك القلق ناتج عن عدم الاستقرار وعدم الطمأنينة في المحيط، فكان لابدَّ من التمنِّي (ليتني ياحمامة البان غرِّيد) للتعويض عن القلق والغربة فالمناجاة والغناء والتغريد هي أفعال تعمل على إقامة التوازن مع البيئة الخارجية، ثم إن الهرب إلى الطبيعة ببراءتها وفطريتها، هو ذاته الهرب والانتقال إلى عالم متوازن، بل إن الطبيعة تدخل في نطاق العالم المثالي الذي ينشده الفرد الرومانتيكي.
أما أكثر النصوص تعبيرًا عن الاغتراب بمظهره الوجودي فهو نص (الطلاسم) للشاعر (إيليا أبو ماضي) إذ تعالج قصيدة (الطلاسم) وجودَ الإنسان منذ ولادته، إن وجهة نظر الشاعر تنطوي على مرارة الصورة التي تقوم على وجود الإنسان القسري على ظهر هذه المعمورة وضياعه إبَّان تلك القسرية، يقول إيليا أبو ماضي في هذه القصيدة: [1]
جئتُ لا أعلم من أين ولكني أتيتُ
ولقد أبصرتُ قدامي طريقًا فمشيت
وسأبقى ماشيًا إن شئتُ هذا أم أبيت
كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟
لستُ أدري؟
يُبرز النص إشكاليةَ وجود الإنسان منذ أن وُجد على ظهر هذه الأرض، حيث أفضتْ هذه الإشكاليةُ إلى اغتراب الشاعرِ وشعورهِ بالعذاب نتيجةً لإحساسه بأن سلطةً عليا تجبره على السيرورة داخل النظام الحياتي الذي لا يد له فيه، ولم يُستشر في اختيار هذا النظام واتباعه بل أُجْبِرَ على اتباعه والعملِ بأحكامه (وسأبقى ماشيًا إن شئت هذا أم أبيت) فلا مفرَّ من هذا الأمر مطلقًا.
(1) أبو ماضي، إيليا (د،تا) الديوان، دار العودة، بيروت، ص193.