فهرس الكتاب

الصفحة 183 من 309

فالنص يُخفي أو يتجاوز الحديث عن الاغتراب الاجتماعي، لينتقل بالحديث إلى اغتراب تسليمي يقترب من حافة النهاية، وهذا ما تبدى في النص من خلال (قدرُ النوارس أن تبيض فراخها بين السفائن) ، فالقدر حالة قهرية، و (القدر) هنا أيضًا تتويج للاغترابات ولمسيرة مخاضٍ عنيفة من العراك مع الحياة، وهكذا ينشأ الاغتراب بشكله الروحي من انعدام العلاقة والتواصل بين (النوارس) و (البحر) و (خشب الصواري) .

إن ذكر (النوارس، والبحر، والسفائن، وخشب الصواري) وإسقاطها على حالة الاغتراب المعاصرة للشاعر، تتماشى -كعناصر في الواقع- مع ذكر (آداد) إله الريح والحرب، لتصبحَ الجواءُ العامة واحدةً، لأن (آداد) في النص محاولة للتقريب بين معطيات الحياة المغتربة، وبين مسببات الاغتراب، بيد أن (آداد) مندهش من صور المعاصرة القائمة، لهذا فهو عاجز عن التحرّك، بل دخل حيز الاغتراب (هي غربة جعلتك توغل في غيابات المدائن) وغربته جعلته بالضرورة يهرب، إلا أن هَرَبه ليس بذي فائدة، لأن الاغتراب أصبح يغطي جميع الأشياء المعطاءة (كفّاك ترتجفان، من خوف على الواحات، يخطفها اليباس) و (تستبيح خراف ساكنها المجاعةُ، واجتراءات الضواري) فليست المجاعة والضواري وفتكّها بالأشياء، إلا صورة لاغتراب (النوارس) عن (البحر، السفن، خشب الصواري) .

ولعل طلَبَ الشاعر من (آداد) إله الريح أن يتوّقف عن (التحديق في السّحن الكئيبة) هو طلبُ اليائس من الخلاص، لأن الزمن مقّيدٌ، فاقد لخواص الحياة والطمأنينة، ولا شك أن فعل (التحديق) الذي يقوم به الإله (آداد) ينبئ بـ المباغتة والمفاجأة التي وقع ذاك الإله وهو ينظر إلى الصورة القاتمة للإنسان المرهون الذي يحتاج فعلًا انبعاثيًا هائلًا، كي يستعيد نضارة وجهه وولادته من جديد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت