فهرس الكتاب

الصفحة 185 من 309

إن الحاجة إلى فعل إلهي جبار في عملية الانبعاث، يعكس بالضرورة صورة العقم و (الاغتراب الروحي) الذي رأيناه في المقطوعة الحادية عشرة من هذه القصيدة، حيث بقي للأشياء معنى وحضور في ذات الشاعر، غير أنّ هناك إحساسًا عميقًا بالغربة عنها، لذلك تراجع الحديث في المقطوعة التي وقفنا عندها عن المجتمع، بينما ظهر الإساس العميق بغربة روحية تجذّرت من خلال الاغترابات الأخرى.

ومن الشعراء الذين ظهرتْ لديهم تلك الغربة بشكل حاد أيضًا الشاعر (رياض صالح الحسين) الذي يقول في قصيدة (انفجارات) [1] :

ذهبتُ إلى الأشجار وما وجدتُ أحدًا،

إلى الينابيع وما وجدت أحدًا،

إلى الحيوانات وما وجدت أحدًا،

ذهبتُ إلى المطاراتِ

والشوارع

ومؤسسات الأيتام

فحسبوني شحاذًا ووضعوا في كفي النقود..

اليوم مساءً وكحصان مقطوع الرأس

عدتُ إلى الغرفةِ

الغرفة الصغيرة الضيقة

وبلطةٌ ضخمةٌ من الصراخ تنمو تحت أظافري

ينشأ (الاغتراب الروحي) في النص من أنّ (الذهاب) في ذاته إلى (الينابيع، والأشجار، والحيوانات، والشوارع، والمطارات) هو إصرار على المعنى الرائع للأشياء حول الشاعر، إصرارًا يتخذ الصبغة الحميمية، غير أن تلك الحميمية لم تُنجز إطلاقًا، ذلك أنّ (لم أجد أحدًا) المكررة مرارًا هي جوهر تلك الغربة، كأساس للانفصال والفراغ، لأن كلمة (أحدًا) الاحتمالية الإيحاء، تصبّ في معطيات جميلة ومشرقة، يوحي بها هذا (الأحد) ، والبحث عنه هو بحثٌ عن صورة الإنسان ببراءتها، بل عن صورة الكائن الحي ذي المشاعر والأحاسيس والحركة وبحث عن الحياة بمعناها العميق، حيث (المغترب الوجودي) لا يجد معنى لتلك الحياة بمعناها العميق، ولا يجد معنى في الذهاب إلى الأشجار وإلى الينابيع، ولذا فهو اغتراب يختلف عن الاغتراب الموجود في النص.

(1) الحسين، رياض صالح، 1982- بسيط كالماء واضح كطلقة مسدس/ ط1- دار الجرمق للطباعة والنشر، دمشق ص67

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت