فهرس الكتاب
تترافق الغربةُ الروحية في المقطع السابق بشعور حاد بالخيبة، فهنالك فرقٌ شاسع بين رؤيا الشاعر وبين ما حدث ويحدثُ على أرض الواقع (فحسبوني شحاذًا ووضعوا في كفي النقود) .
إن الفهم الخاطئ لهدف الشاعر ورؤياه وتطلعاته يعمّق هذه الغربة، لهذا من البدهي أن يعود إلى غرفته (كالحصان المقطوع الرأس) دليلًا على التشتت والعذاب، وبعد كل هذا العذاب لا بد أن تكون هناك رؤيا خاصة لغرفة الشاعر، حيث وصفها بأنها (غرفة صغيرة ضيقة) فضيقها جاء نتيجة للأشياء المرعبة التي حملها الشاعر من الخارج معه، وكذلك كان صغرها، فالضيق والصغر حالتان نفسيتان في النص ولا شك بذلك أبدًا، فالتوازن مع الخارج لا يجعل من هذه الغرفة ضيقة، بل واسعة وواسعة جدًا على الرغم من أنها قد تكون ضيقة حقيقة.
تنتهي المقطوعة بذروة الحالة (وبلطةٌ ضخمة من الصراخ تنمو تحت أظافري) ، فلا شك أيضًا أن هذه الحالة المؤلمة هي تصاعد لحالة الضيق المعنوي للغرفة، ولحالة الإحباط التي أتى بها من الخارج، فكم هو مؤلم أن يقرن الصراخ بالبلطة (علامة الموت) ، وأن يقرن كل ذلك بالأظافر، ومن ثم يأتي الألم الأكبر، وهو أن (بلطة الصراخ) آخذة بالنمو، أي أنّ الحالة النفسية تسير إلى أسوأ.
ولعل العودة إلى الغرفة، ونمو الصراخ، في جو كئيب صامت، حالةٌ من حالات العزلة المريرة بعد تعب مضن في البحث عن نقيض لهذه الحياة، وعن ولادة جديدة.
نكتفي هنا بالحديث عن نموذجين من نماذج (الاغتراب الروحي) ، فهناك شعراء آخرون وقفوا عند هذا الجانب من الاغتراب، ولعل (محمد الماغوط) أحدهم، فهو يتمنى دائمًا أن يتواصل مع الأشياء والعناصر حوله.
إن هناك حنينًا من هذا الشاعر إلى أن يصبح شيئًا من الأشياء في المحيط، في علاقة أشبْهِ ما تكون بعلاقة (الاتحاد) الموجودة عند المتصوفة، وذلك يعكس الهوة التي تفصله عن معنى تلك الأشياء والعناصر [1]
(1) يقول محمد الماغوط في قصيدة (أغنية لباب توما)
أشتهي أن أكون صفصافة خضراء
قربَ الكنيسة
أو صليبًا من الذهبِ على صدر عذراء
تقلي السمك لحبيبها العائد من المقهى
وفي عينيها الجميلتين
ترفرف حمامتان من بنفسج
أشتهي أن أقبل طفلًا صغيرًا في باب توما
ومن شفتيه الورديتين
تنبعث رائحة الثدي الذي أرضعه
فأنا ما زلت وحيدًا وقاسيًا
أنا غريب يا أمي
-/الأعمال الكاملة/ ديوان /حزن في ضوء القمر/ ص25-26