فهرس الكتاب
لن نتحدث في هذه الآونة عن (الاغتراب الوجودي) ، لأن هذا الاغتراب هو من مفردات (السوداوي العدمي) وينطوي تحت هذا التجلّي وهذه الصورة من صور العذاب في شعر الحداثة، بل إنه ملازم للعدمي، وهذا عائد لطبيعة (المغترب الوجودي) ، الذي لا يرى معنى للأشياء وللعناصر وللوجود بشكل عام.
2-النموذج السوداوي العدمي:
لا نملك في مصطلح (السوداوي العدمي) في شعر الحداثة إلا أن نُقدّم (السوداوية) على (العدمية) لتشكيل هذا المصطلح، ذلك أنه لو قلنا (العدمي السوداوي) ، لوقعْنا في لحن كبير، لأن (العدمي) هو (سوداوي) بالضرورة، فلا داعي لذكْرِ هذا المصطلح الأخير كاملًا، بل يكفي ذكْرُ (العدمي) ، حتى ندرك السوداوية التي تنطوي تحته، وآثرْنا مفهوم (السوداوي العدمي) ، لأن (السوداوي) ليس (عدميًا) بالضرورة، وكان اختيارُنا لهذا المفهوم منطلقًا من تلازم السوداوية والعدمية في شعر الحداثة في كثير من النصوص.
"يشكل الموت هاجسًا أساسيًا في ميدان الشعر، ومنذ أقدم العصور حتى اليوم ما يزال حاثة من أهم الحاثات الدافعة إلى الإبداع الفني، سواء ألفَ الإنسان الموت أو استوحشه، لقد حاول الإنسان استئناس الموت وتدجينه، وهو يشعر دائمًا أنه جزء منه ينغل في كيانه، فهل هناك إحساس جسدي بالموت، كالإحساس الجنسي مثلًا؟ وما دورُه في عملية الإبداع الشعري؟"
إن التمويه الذي قام به الإنسان تجاه نفسه لم يُبْعِدْ عنه شبح الموت ولا الخوف منه. ويمكن أن نجد بعض المتحمسين المتفانين يبذلون أنفسهم رخيصة في سبيل أمر نذروا له حياتهم. إلا أنهم ليسوا القاعدة العامة، إن الخوف من الموت داخلٌ في كيان الجسد البشري، وكيان كل الأحياء، باستثناء الكائنات الوحيدة الخلية [1] .
(1) عبود، حنا، القصيدة والجسد، ص183