فهرس الكتاب

الصفحة 188 من 309

ولا شك أن هذا التفكير بالموت يرتبط بكثير من السوداوية والقلق، ثم إن البيئة والعصر من العوامل الهامة في تفاوت الشعور بالموت بين ارتفاع وانخفاض، فلكل عصر فلسفته حول القضايا والأحداث بما فيها القضايا الحضارية والكونية"والفلسفة المعاصرة، ككلّ فلسفة، عكستْ طبيعة العصر الذي وجدت فيه، وما دام العصرُ الراهن، هو عصرُ السيطرة المذهلة، فإن فلسفته هي تعبير عن أقصى حالة قلق، بلغها العقل البشري. وهي بحق، نتاج متميز في تاريخ الفكر. فالثورة العلمية الصناعية التكنولوجية، قد حطّمتْ طبيعة المجتمع القديم، وأحدثت انقلابا في معايير الحياة والفكر. وانتهت إلى نزاعات كونية كبرى، أحدثت ارتجاجًا عظيمًا في العقل البشري، وولّدتْ داخل النفس دويًا، لا زال صداه يئن في الصدور [1] ."

لقد أشرنا في حديثنا عن تجليات المعذب في المدرسة الرومانتيكية إلى أن السوداوية حالة متطورة عن التشاؤمية، حيث تتعمم لتشمل كلّ مناحي الحياة وجوانبها، وهي على صلة وثيقة بالعدمية، ذلك أن"القرف من الحياة أولى استجابات السوداوي. فهو لا يبالي بأي شيء، حتى ولا بألمه، كلّ صباح هو عذابٌ يتجدّد: فالفناء رغبته الكبرى. ومن البدهي أن يكون فقدانُ الإرادة كليًا، ومثله العجز، ولا شيء يبقى له غير لا مبالاة تفوق كل حد" [2] .

(1) منصور، محمد منير، الموت والمغامرة الروحية ص93.

(2) داكو، بيير، الانتصارات المذهلة لعلم النفس ج1- ص37

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت