فهرس الكتاب
وتتسع دائرة (السوداوية العدمية) في شعر الحداثة لتصبح صراعًا مع الوجود بأسره، ففي النهاية لا يصبح للوجود معنى، بل إن هناك طلبًا ملّحًا للفناء، فـ"الموقف الأقرب إلى النموذج الوجودي هو ذلك الذي يرى في الموت حدًا نهائيًا" [1] ، وعلينا أن لا نفهم أن الوجودية ذاتُ منحى تشاؤمي في طبيعتها الكلية، فقد تكون الوجودية حالة تأقلم للفيلسوف أو الشاعر أو الفنان الخ..، ويختلف ذلك المنحى بين الوجوديين المؤمنين وغير المؤمنين، ولا بد لنا من القول قبل أن نتحدث عن أشكال (السوداوي العدمي) في شعر الحداثة وسماته: أنه على ما يبدو، و"بالنسبة إلى شخصيات الرؤيا التشاؤمية كلها، فإن وهمَها هو ضعْفُها وهو أيضًا خطيئتها المأساوية المفترضة" [2] .
أما أشكال (السوداوي العدمي) وسماته في شعر الحداثة فإنها على الشكل التالي:
أ-الموت الحضاري:
إن (الموت الحضاري) هو أحدُ أشكال الموت الرئيسة في شعر الحداثة، حيث تشير النصوص الشعرية التي تحدّثت في هذا المجال عن موت واقع بأكمله (موت أمة) تحتاج انبعاثًا جديدًا، غير أن اليأس الذي أصاب بعض الشعراء لا سيما الانبعاثيين منهم، بأن هذا الواقع لن يكتب له الانبعاث، أوقعهم في حقيقة (الموت الحضاري) ، بل إن (الانبعاث) كما تجلّى في قصائدهم، جاء مشوّهًا مؤلمًا، (كقصيدة العازر لخليل حاوي) ، وتداخلَ ذلك الشعور بالموت وبسوداوية المستقبل بصراعٍ وجودي حاد، انطلاقًا من أنّ مظاهر العذاب تتعمّمُ وتتسّعُ لتأخذ حيزًا مكانيًا كبيرًا، إضافة إلى حيزها الزمني الطويل.
(1) ماكوري، جون، عالم المعرفة/ الوجودية/ عـ 58- ص363
(2) زيلسكي: جون فون 1982 المأساة والخوف تر: عارف حذيفة- وزارة الثقافة دمشق ص67