فهرس الكتاب
إن تلك الصفات التي أشرنا إليها سابقًا متوافرة جميعها عند الشاعر (خليل حاوي) ففي"دواوينه الثلاثة، من"نهر الرماد"إلى"بيادر الجوع"نجده خائضًا غمرة هذا الصراع الوجودي بين مختلف الحتميات الكونية والحضارية وبين رغبة التحرر والخلاص من سيطرة هذه الحتميات على الإنسان، ونراه في غمرة هذا الصراع يُنشئ في ذاته، بوصفها جزءًا من الذات الكلية، أي الذات النوعية للإنسان، عالمًا تعصف فيه ريح الرعب، وتُحْفَرُ في جوانبه الكهوف المعتمة، وتترّمدُ في صحاريه شعلُ الحياة وخصوبتها، فإذا الحياة كلها نهر من رماد الموت والعقم، أو ركام من عفن الجثث، جثث الأفكار والتقاليد والحضارات والآدميين" [1] .
من القصائد التي تُصور الانبعاث المشوه الذي يؤدي إلى الموت والمنطوي على كثير من السوداوية والرؤيا القاتمة للمستقبل، قصيدة (بعد الجليد) للشاعر (خليل حاوي) يقول فيها [2] :
وارتمينا جثثًا، لحمًا حزينًا
ضمّ في حسرته لحمًا قديدْ،
عبثًا نغتصب الشهوة حرّى
عبثًا نسكّبها خمرًا وجمرًا
من بقايا في الوريد
علّه يفرَخ من أنقاضنا نسل جديد
ينفضُ الموتَ، يغلّ الريح
يدوي نبضةْ حرّى
بصحراء الجليدْ:
"حبّنا أقوى من الموت العنيد"
غير أن الحب لم يُنبِتْ
من اللحم القديدْ
غير أجيالٍ من الموتى الحزانى
تتمطّى في فم الموت البليدْ
إن الموت هو الحالة النهائية والمنجزة على أرض الواقع في النص السابق، فالنص بدأ برؤية سوداوية وقاتمة للمحيط الممتلئ بالانتكاسات، ذلك أن النص يعرض لجيلين متعاقبين بينهما فترة حلم:
(1) مروة، حسين، 1986- دراسات في ضوء المنهج الواقعي، ط3- مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت ص118
(2) حاوي، خليل 1972 /الديوان /نهر الرماد/ دار العودة، بيروت لبنان ص92-93