فهرس الكتاب
ولعل"مغامرة الحاوي هذه التي جعلت التاريخ والمستقبل حضورًا مباشرًا أمام الذات العارية، وكشفْت خلال التفجير الحيوي الرمزي للميثولوجيا مسافة القلق والشوق والضياع وسوداوية اليأس والضجر والمعاناة في أجواء التجربة الانبعاثية العربية، ثم غنتْ إيقاع الحنين والحلم لمعانقة القمر ولقاء شمس المستقبل السعيدة، إن هذه المغامرة بحد ذاتها رؤيا واستغراق حقيقي وصميمي وأصيل بالواقع الذي ينوس بين التحجر والحركة والانبثاق والتجسّد والتلاشي والنمو [1] ."
فإذا ما استخدم (خليل حاوي) الأسطورة في تجسيد انبعاثه الذي آل في نهاية المطاف إلى الموت والعدمية، فإن الشاعر (ممدوح عدوان) استخدم شخصيات بطولية من التاريخ العربي، كذلك استخدم صورة (السيد المسيح) ، ولكن ليس بشكلها الانبعاثي الذي ينمّ على فعل جبّار يقوم على التحويل الجذري لقلب الواقع، يقول في قصيدة (وتمرّ المدينة برقًا) من ديوان (أقبل الزمن المستحيل) : [2]
لا ماء في البحارْ
والنار في السفنْ
تمتد للمدنْ
وطارقٌ كالحلم طارْ
ولم تجئنا في غيابه المزُنْ
قلت: أمضي، وأترك خلفي الركام
قلتُ: أمضي، كفاني عنادًا فلستُ المسيحْ
الدروبُ استفاقت سيوفًا تفضّ الزحام
قلت أمضي بعيدًا، فلا أحدٌ يسمع الصوت حولي
ووحدي أصيحْ
ليس هذا زماني.. من الغيظ للغيظ وحدي أطوفْ
قلتُ: أمضي فلا أبتغي من حياتي بطوله
منذ مطلع النص تتلازم السوداوية والعدمية، فالشعور بأنّه (لا ماء في البحار) شعورٌ سوداوي من جهة، وشعور عدمي يوحي بالنهاية من جهة ثانية، وكذلك الأمر في (والنار في السفن تمتد للمدن) ، حيث الصورة الكبرى وراء كل هذا هي صورة الانهدام الحضاري لأمة بأكملها، لذلك فمن الضروري أن تكون تلك الصورة حالة منصهرة مع (المعذب) كنموذج يطرحه النص.
(1) ميخائيل، امطانيوس، دراسات في الشعر العربي الحديث ص39
(2) عدوان، ممدوح 1985 الأعمال الشعرية الكاملة، دار العودة -بيروت ص58