فهرس الكتاب
ويختلف أدونيس عن الشعراء السابقين في معالجة قضية الموت عامة، حيث يتشكّل لديه الموت الفلسفي الذي سنقف عنده في حديثنا عن البناء الفلسفي، فأدونيس يشكو من"أن الموت ينقصه ليضيف إلى لغته كلمات جديدة، بيد أن الموت يتمدد مع إخطبوط الجنس في لحظة قاتلة، ربما ليزحزح جدار الوهم الجنسي ويحطم خرافته الجمالية، وتتعانق فلسفة الاتحاد اللحمي مع فلسفة الموت ليذرف الشاعر الإنسان من خلالها عبراته وينشر يأسه وحزنه العميق [1] ، وهكذا فإن مفهوم العذاب، عبر قضية الموت، يختلف من ظرف إلى آخر، ويتفاوت من شاعر إلى آخر، بحسب الظروف النفسية والبيئية للشاعر."
ب-الموت والعلاقة مع الأشياء والأماكن:
لقد أشرنا فيما مضى إلى أنّ (السوداوية) تتسع عند الشاعر مكانيًا لتصيب كلّ نواحي الحياة وعناصرها، فإذا ما ترافقت تلك السوداوية بشعور بالعدمية فإن هذا يعني بالضرورة أن مظاهر الموت تتسع أيضًا، وتكبر دائرتها، حتى تصيب مساحات كبرى من الخارج انطلاقًا من الذات التي تحسّ بوطأة الموت أيضًا.
لقد عاش (محمد عمران) صراعًا حادًا بين الحياة والموت يمتد على مجمل دواوينه الشعرية، ونراه في هذا الصراع يميل إلى استخدام عناصر الطبيعة عبر اتحاد صوفي، وكثيرًا ما تجتاح (عمران) رؤى سوداوية تنذر بتهدم الإنسان وموته، وذلك أمام ما يجري من أحداث مرعبة في المنظومة الاجتماعية.
إن قصيدة (الطين) المطوّلة تطرح الكثير من المشاكل المعاصرة التي تضرب عمق الإنسان من الداخل، بحيث يقف هذا الإنسان حائرًا وعاجزًا أمام النظام الذي تسير وفقه الحياة الراهنة بانجازاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وكلّ ذلك معروض بلغة رمزية وعبر (قصيدة النثر) التي تحاول إثبات وجودها،
(1) ميخائيل، امطانيوس، دراسات في الشعر العربي الحديث ص231